تُعد مسألة الوضع القانوني لمرتفعات الجولان في القانون الدولي من أبرز الأمثلة التي تُتيح اختبار الالتزام التأسيسي للنظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بحظر الغزو الإقليمي والاستيلاء على الأراضي بالقوة. ولا تزال هذه المنطقة، التي احتلتها إسرائيل عقب حرب حزيران/يونيو 1967 وضمّتها من جانب واحد عام 1981، محور نزاع قانوني وسياسي مستمر.
غير أن الموقف القانوني الدولي لا يترك مجالاً لالتباس جوهري: فمرتفعات الجولان تُشكل أرضاً سورية محتلة، ومحاولة ضمها باطلة ولاغية بموجب المبادئ الأساسية التي تحكم سلوك الدول. ويستند هذا الاستنتاج إلى حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والطبيعة المؤقتة للاحتلال العسكري، واستمرار انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة، بما يصون السيادة الإقليمية السورية بغض النظر عن السيطرة العسكرية الفعلية أو الاعتراف الأحادي المخالف لذلك.
وتُعد المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة حجر الزاوية في النظام الإقليمي للقانون الدولي الحديث، إذ تُلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وقد كرست محكمة العدل الدولية هذا الحظر بوصفه قاعدةً من قواعد القانون الدولي الاتفاقي والعرفي ذات طابع آمر، بما يعني أنه يشكل قاعدة قطعية لا يجوز الخروج عليها تحت أي ظرف. ويمتد هذا الحظر بصورة قاطعة إلى الاستيلاء على الأراضي بالقوة، بحيث لا تُعد المكاسب الإقليمية الناتجة عن استعمال القوة مشروعة، ولا يجوز الاعتراف بها أو إضفاء أثر قانوني عليها.
وقد أكد إعلان عام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول أن الاستيلاء على أراضي دولة أخرى نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها لا يُعترف به قانونياً. والأهم أن هذا الحظر يسري بغض النظر عن توصيف الحرب أو الادعاء بالطابع الدفاعي، إذ لا تتحول السيطرة العسكرية إلى سيادة ولا تُنتج أثراً ناقلاً للملكية الإقليمية. كما يترتب على ذلك التزام عام على الدول بالامتناع عن الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن الاستحواذ الإقليمي غير المشروع، وحظر تقديم المساعدة التي من شأنها إدامة أو ترسيخ وضع غير قانوني.
في 17 كانون الأول/ديسمبر 1981، وبعد ثلاثة أيام من إقرار إسرائيل قانون مرتفعات الجولان الذي وسّع نطاق القانون والإدارة الإسرائيلية ليشمل الأراضي المحتلة، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 497. ويمثل هذا القرار التعبير الأكثر حسماً عن الموقف القانوني الدولي تجاه محاولة ضم الجولان.
فقد قرر المجلس أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على مرتفعات الجولان السورية المحتلة باطل ولاغٍ ولا أثر له دولياً، وطالبها بالتراجع الفوري عنه، وأكد استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي السورية المحتلة منذ 1967.
وتكتسب دلالة الإجماع على القرار أهمية خاصة، بما في ذلك تصويت الأعضاء الدائمين لصالحه، إذ يثبت أن توصيف الجولان كأرض محتلة وأن إجراءات الضم لا تُنتج أثراً قانونياً كان محل توافق دولي راسخ. وقد تكرر هذا الموقف في مداولات الجمعية العامة وقراراتها اللاحقة بشأن الجولان السوري المحتل، بما يعكس ثبات القاعدة القانونية التي تمنع تحويل الاحتلال إلى سيادة عبر تشريعات داخلية أو ممارسات ميدانية.
يُرسّخ القانون الدولي الإنساني معايير دقيقة للاحتلال العسكري تؤكد عدم مشروعية الادعاءات التي تسعى إلى إضفاء طابع دائم على السيطرة. فلوائح لاهاي تُعرّف الاحتلال بوجود إقليم تحت السلطة الفعلية لجيش معادٍ، غير أن السيطرة الفعلية، مهما امتدت، لا تنقل السيادة؛ ويجب فهم نظام الاحتلال العسكري باعتباره تنظيماً قانونياً لسيطرة مؤقتة على أرض أجنبية، تنتهي من حيث المبدأ بعودة السيطرة إلى صاحب السيادة الأصلي.
وخلال هذه المرحلة، تلتزم القوة المحتلة بإدارة الإقليم باعتبارها سلطةً قائمة بالوصاية، مع إدخال أقل قدر ممكن من التغييرات اللازمة لإدارة شؤون الحياة العامة، وصون الوضع القانوني القائم عند بدء الاحتلال. ويقوم المنطق البنيوي لقانون الاحتلال على منع أي إجراءات تُفضي إلى الضم أو تُرسخ السيطرة الدائمة، لأن ذلك يتعارض مع الطبيعة المؤقتة للاحتلال ومع حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
وتُشكل المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة ركناً محورياً في هذا السياق، إذ تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الإقليم المحتل منعاً للاستيطان والتغيير الديموغرافي الذي يحول الاحتلال إلى واقع دائم. ويُعد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في مرتفعات الجولان، من حيث المبدأ القانوني، انتهاكاً لهذا الحظر، بما يعضد الاستنتاج القائل إن ممارسات الإدارة الميدانية لا تُغير المركز القانوني للإقليم ولا تمنح القوة المحتلة حقاً سيادياً عليه.
على الرغم من أن الفتوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 تناولت الأراضي الفلسطينية، فإن منطقها القانوني يعيد تأكيد مبادئ عامة تتصل مباشرةً بالضم والاستيلاء بالقوة.
فقد اعتبرت المحكمة أن إعلان السيادة على أراضٍ محتلة وضمها، سواء عبر تشريعات داخلية أو سياسات وممارسات ميدانية، يتعارض مع حظر استعمال القوة ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما رفضت الحجة القائلة إن الاعتبارات الأمنية يمكن أن تُقيد هذا الحظر أو تتجاوزه، مؤكدةً أن المخاوف الأمنية لا تُعلق قاعدة آمرة ولا تُنشئ حقاً في الضم أو اكتساب السيادة على إقليم محتَل.
تظل السيادة الإقليمية لسوريا على مرتفعات الجولان مصونة بموجب مبدأ السلامة الإقليمية، وتؤكدها قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة. أما الاعتراف الأحادي الصادر عن الولايات المتحدة عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان فلا يغير الوضع القانوني للإقليم، لأن القاعدة الآمرة المانعة للضم تُرتب واجب عدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن انتهاك جسيم، إلى جانب واجب الامتناع عن تقديم ما يعين على ترسيخها.
ويؤكد عدم لحاق أي دولة أخرى بهذا الاعتراف استمرار الإجماع الدولي على أن الجولان أرض سورية محتلة وأن الضم غير مشروع.






