يمثل الاعتراف بحقوق الأقليات ضمن الأطر الدستورية أحد المقومات الجوهرية لترسيخ الشرعية السياسية وتعزيز التماسك الاجتماعي في المجتمعات التعددية. في سوريا، شكّل إصدار المرسوم الرئاسي رقم 13 عن الرئيس أحمد الشرع في كانون الثاني/ يناير 2026 منعطفاً مهماً في المسار الدستوري للبلاد، إذ تضمّن اعترافًا صريحًا بالهوية واللغة وحقوق المواطنة للكرد السوريين، وفتح الباب لتفكيك ركائز قمعية تراكمت عبر عقود من الإقصاء المنهجي.
واستنادًا إلى الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025، يرسّخ هذا المرسوم نموذجاً للوحدة الوطنية لا يقوم على فرض التجانس العرقي أو اللغوي، بل على الاعتراف بالتنوع ودمجه ضمن مفهوم المواطنة المتساوية.
كما يمثل هذا المرسوم أول اعتراف رسمي بالحقوق الكردية في التاريخ القانوني السوري، بما يشير إلى انتقال نوعي من مقاربات الإقصاء القومي إلى قومية مدنية متجذرة في مبدأ المواطنة. وتتناول هذه المقالة الأسس النظرية والبنية القانونية والدلالات الدستورية لهذا الاعتراف، وتجادل بأنَّ إدراج الحقوق الكردية الأساسية، على الرغم من كونه تقدماً ضرورياً وجديراً بالتثمين، فإنَّ قدرته التحويلية تظل مرهونة بالتكريس الدستوري، والتنفيذ الشامل، والالتزام السياسي المستدام.
يشكّل الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025 الإطار القانوني المرجعي الذي يستمد منه المرسوم رقم 13 سلطته وشرعيته. وتنص المادة 7(3) من الإعلان الدستوري على التزام الدولة بضمان التنوع الثقافي للمجتمع السوري وحماية الحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، بما يؤسس لالتزام دستوري إيجابي يتجاوز مفهوم التسامح إلى واجب الدعم الفعّال. ويترتب على هذا النص التزام مؤسسي قابل للتنفيذ، يقتضي من أجهزة الدولة تمكين التعبير الثقافي للأقليات بصورة عملية، لا الاكتفاء بالسماح الشكلي به.
ويعكس الإطار المفاهيمي لهذا الاعتراف تحولًا نظريًا مهمًّا من القومية الإقصائية إلى التعددية الشاملة؛ فبينما كانت الدساتير السورية السابقة تُعرّف الهوية الوطنية حصراً بمصطلحات عربية، وتتعامل مع الهوية الكردية باعتبارها غير منسجمة بطبيعتها مع تصور الأمة السورية، يرسّخ الإطار الجديد تصوراً تعددياً للانتماء الوطني. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أنَّ المواطنين الأكراد جزء لا يتجزأ من الشعب السوري، وأنَّ هويتهم الثقافية واللغوية تُعد عنصرًا أصيلًا ومكوّنًا لا ينفصل عن الهوية الوطنية السورية.
ويتسق هذا التصور للوحدة، بوصفها متحققة عبر التنوع لا عبر التجانس، مع النظريات المعاصرة للقومية المدنية التي تؤسس الهوية الوطنية على المواطنة المشتركة والانتماء السياسي، لا على تماثل الأصل العرقي أو اللغة.
وعلاوة على ذلك، تنص المادة 48 من الإعلان الدستوري على التزامات العدالة الانتقالية، وتقرر أن تلغي الدولة جميع القوانين الاستثنائية التي أضرت بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان. ويؤسس هذا النص سلطة دستورية مباشرة لإبطال نتائج الإجراءات التمييزية المرتبطة بتعداد عام 1962، الذي جرّد عشرات الآلاف من الكرد السوريين من جنسيتهم، وأدى إلى استمرار انعدام الجنسية عبر أجيال متعاقبة. ويُفعّل المرسوم هذا التفويض الدستوري بإلغاء هذه القوانين الاستثنائية بصورة قاطعة، وإعادة الجنسية دون قيد أو شرط.
كما تؤسس الأحكام الموضوعية للمرسوم رقم 13 إطارًا متعدد المستويات لحماية الحقوق الكردية؛ ولعل اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية يمثل من أهم هذه الأحكام، إذ يمنح اللغة مكانة عامة وشرعية قانونية بعد أن تعرضت للقمع المنهجي لعقود. كما يرسّخ هذا الاعتراف حق التعليم باللغة الكردية بوصفه حقًا أصيلًا لا امتيازًا اختياريًا، بما يستلزم توفير موارد مؤسسية وأطر سياساتية وتمويلية تضمن قابليته للتحقق.
ويكتسب التمييز بين اللغة الرسمية واللغة الوطنية أهمية بالغة. فمع بقاء اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة لإدارة الدولة، فإنَّ الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية ذات مكانة عامة يسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الأكراد نسبة كبيرة من السكان. ويُدخل هذا التصور الإقليمي قدراً من المرونة دون إنشاء مناطق لغوية حصرية، بما يتيح تطبيقه في البيئات ذات التركيبة السكانية المختلطة، مع توفير أساس واضح ومنضبط لتعليم اللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
ويحقق بند استعادة الجنسية غايات قانونية بالغة الأهمية عبر إلغاء البنية المنتجة لانعدام الجنسية؛ وخلافاً للإصلاحات الجزئية السابقة التي انحصرت في فئات بعينها من عديمي الجنسية، يمتد نطاق المرسوم صراحة إلى من لم تُسجل ولاداتهم أصلًا، وبذلك يتعامل مع أشد أشكال الإقصاء القانوني عمقًا.
كما يقرر مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات التزامًا مُلزمًا بحظر التمييز، ويؤسس لضمانات مساواة قابلة للنفاذ في مختلف مجالات المواطنة. ويتقاطع هذا النهج مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تؤكد أنَّ انعدام الجنسية الناشئ عن حرمان تعسفي من الجنسية يجعل منح الجنسية أو استعادتها أكثر اتساقاً مع المعايير الدولية من الاكتفاء بإجراءات تحديد حالة انعدام الجنسية.
على الرغم من أهميته التاريخية، ينطوي المرسوم على قيود بنيوية قد تُضعف أثره التحويلي؛ فبصفته مرسومًا رئاسيًا، يفتقر إلى الحصانة الدستورية التي توفّر أعلى درجات الحماية ضد احتمالات التراجع أو الإلغاء مستقبلًا. وتبرز هنا هشاشة الحقوق التي تستند إلى قرارات السلطة التنفيذية، مقارنة بالحقوق المكرسة دستوريًا. فالحقوق التي تُدرج في متن الدستور، وتُحاط بضمانات تعديل صارمة تتطلب أغلبيات معززة، تتمتع بحماية أرسخ بكثير من تلك التي تبقى رهناً بتقدير السلطة التنفيذية.
ويمثل غياب آليات تعويض شاملة قيدًا إضافيًا لا يقل أهمية. فاستعادة الجنسية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الأضرار الاقتصادية، والحرمان التعليمي، والآثار النفسية والاجتماعية المتراكمة على مدى عقود من انعدام الجنسية. وتقتضي العدالة الانتقالية، في هذا السياق، تشريعات تنفيذية لاحقة تتناول التعويض المادي، والاعتراف المعنوي، وبرامج إعادة الإدماج الاجتماعي، بما يكمل الإطار الذي يضعه المرسوم. ولا يمكن سد الفجوة بين التطلعات المعلنة والواقع العملي إلا من خلال إرادة سياسية مستدامة، وتخصيص موارد كافية، وحوكمة رشيدة.






