يمثل رحيل رفعت الأسد في 21 من كانون الثاني/ يناير 2026 في دولة الإمارات العربية المتحدة وعن عمر ناهز 88 عامًا، محطة مفصلية في مسار محاسبة المسؤولين عن واحدة من أبشع الفظائع الجماعية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وبصفته نائب الرئيس السوري السابق وأحد أبرز مهندسي مجزرة حماة عام 1982، فإنَّ وفاته قبل مثوله أمام قضاء سوري تُجسّد اكتمال الإفلات من العقاب على المستوى الوطني، لا بوصفها مصادفة بيولوجية، بل بوصفها نتيجة لسياسة ممنهجة اتبعها نظام حافظ الأسد في حماية أعمدة العنف المؤسسي، بما في ذلك رفعت نفسه، عبر توفير الغطاء السياسي والأمني لعمليات ارتُكبت بتنسيق مباشر وتحت إشراف أعلى مستويات السلطة، وعلى امتداد لأكثر من شهر. ومع أنَّ الوفاة تُغلق الباب أمام الملاحقة الجنائية المباشرة للشخص المتوفى، إلا أنَّها لا تُنهي أشكال المساءلة الأوسع نطاقًا التي تعمل بمعزل عن بقاء المتهم حيًا، ولا تُسقط إمكانات استرداد الأصول، ولا مساءلة الشبكات التي سهّلت الجريمة أو استفادت من عائداتها.
حدود الملاحقة الجنائية والاختصاص القضائي العالمي
واجه رفعت الأسد اتهامات في ثلاث ولايات قضائية رئيسة، غير أنَّ أيًّا منها لم يُفضِ إلى محاكمة مكتملة بالمعنى الإجرائي الكامل.
وقد شكّل تحرّك سويسرا في تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة بصرف النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجاني أو الضحايا، تطورًا بالغ الدلالة حين وجّه مكتب المدعي العام السويسري في آذار/ مارس 2024 اتهامات لرفعت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية أحداث حماة. وقد شملت لائحة الاتهام ادعاءات تفيد بمسؤوليته عن إصدار أوامر بالقتل والتعذيب والمعاملة القاسية والاحتجاز التعسفي، الأمر الذي وضعه في مصاف أعلى المسؤولين المتهمين بارتكاب هذه الجرائم ممن خضعوا لإجراءات قضائية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
غير أنَّ القانون السويسري، شأنه شأن غالبية الأنظمة الجنائية، لا يجيز الاستمرار في ملاحقة جنائية بحق شخص متوفى، الأمر الذي يجعل لائحة الاتهام وثيقة قانونية وتاريخية ذات قيمة إثباتية ورمزية، لا أساسًا لمحاكمة لاحقة.
وفي المقابل، شهد المسار الفرنسي اكتمالًا قضائيًا من زاوية أخرى قبل وفاة رفعت؛ فقد دانت محكمة باريس الابتدائية عام 2020 رفعت بتهمة الاستيلاء على عقارات في فرنسا بملايين اليوروات عبر اختلاس أموال عامة، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات، ثم ثُبّت الحكم نهائيًا بقرار محكمة النقض في أيلول/ سبتمبر 2022. ويظل هذا الحكم نافذًا من حيث آثاره القانونية، ويُشكّل سندًا مركزيًا لإجراءات المصادرة واسترداد الأصول الجارية. أما في إسبانيا، فقد بدأت التحقيقات عام 2017، ووجّه القضاء تهمة غسل الأموال إلى رفعت وأربعة عشر شخصًا آخرين، مع تحديد 503 عقارات في أنحاء البلاد تُقدّر قيمتها بنحو 691 مليون يورو. وتمتاز القضية الإسبانية بأنَّها تستهدف شبكة أوسع من الأفراد والكيانات، بما يسمح باستمرارها بصورة مستقلة عن وفاة رفعت، وبإمكانها أن تُفضي إلى ملاحقات تطول أفرادًا من عائلته أو من عملوا كواجهات لإدارة الأصول وإخفائها.
وعليه، يقدّم بُعد المساءلة الجنائية صورةً مجزأة: إدانة مكتملة في فرنسا، وإجراءات اتهام توقفت بحكم الوفاة في سويسرا، وتحقيق جارٍ متعدد المتهمين في إسبانيا. ويؤكد ذلك أنَّ توسّع مبدأ الولاية القضائية العالمية، على أهميته المتزايدة، ما يزال محكومًا بقيود بنيوية، أبرزها ما يتصل بالزمن السياسي والبيولوجي للجناة، وبالتفاوت في الإرادة القضائية بين الأنظمة المختلفة.
استرداد الأصول كآلية بديلة للمساءلة
ثمة تمييز جوهري بين الملاحقة الجنائية بوصفها مساءلة عقابية شخصية، وبين المساءلة المالية بوصفها استجابة قانونية تُركّز على تجريد الجناة وشبكاتهم من عائدات الجريمة وإعادتها إلى أصحاب الحق. ففي إطار القانون الدولي لمكافحة الفساد، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تبرز المصادرة غير القائمة على الإدانة بوصفها آلية تسمح بمصادرة الأصول وإعادتها عندما يتعذر تحريك الدعوى الجنائية، أو استكمالها بسبب الوفاة، أو الفرار، أو الغياب. وتقوم هذه الآلية على معيار إثبات مدني أقرب إلى ترجيح الأدلة، بدلًا من معيار الإثبات الجنائي المشدد، ما يخفف عبء الإثبات الإجرائي ويجعل استرداد الأموال ممكنًا حتى مع انقضاء المسؤولية الجنائية الشخصية بالوفاة.
في هذا السياق، أعلنت فرنسا مبادرة استرداد ذات طابع غير مألوف في مقاربة الأصول المصادرة، عبر تحويل 32 مليون يورو من الأصول المصادرة مبدئيًا إلى الحكومة السورية الانتقالية الجديدة، مع خطط لرفع القيمة المستردة إلى 80 مليون يورو أو أكثر. ويستند هذا المسار إلى القانون الفرنسي الصادر في تموز/ يوليو 2021 بشأن التنمية ومكافحة عدم المساواة عالميًا، الذي يتيح إعادة الأصول غير المشروعة المصادرة لصالح السكان المتضررين عبر قنوات تنموية خاضعة للأطر القانونية الفرنسية. وقد ثبّتت إدانة محكمة باريس عام 2020، ثم تأكيدها عام 2022، أنَّ ثروة رفعت موضوع الدعوى نتجت عن اختلاس أموال عامة، وأنَّ أوامر المصادرة لا تتوقف على استمرار حياته، ولا تستلزم استمرار إجراءات عقابية لاحقة لتنفيذها.
كما أنَّ الأصول المجمدة والممتلكات المحددة في إسبانيا، بما في ذلك ما قُدّر بـ 691 مليون يورو من العقارات و76 حسابًا مصرفيًا مجمدًا، تظل خاضعة لإجراءات يمكن أن تُستكمل بمعزل عن محاكمة رفعت، سواء عبر ملاحقات غيابية وفق ما يتيحه القانون الوطني، أو عبر مسارات المصادرة المدنية التي تستهدف ذات الأصول محل الاشتباه. وبذلك، يصبح استرداد الأصول شكلًا من أشكال العدالة التصالحية الملموسة، يختلف في غايته ومنطقه عن العدالة الجنائية، ويستند إلى قواعد دولية تُقرّ أولوية إعادة العائدات المصادرة إلى الدولة الطالبة أو إلى المالكين الشرعيين السابقين، وبما يخدم، كأولوية عملية، ضحايا الجرائم.
المساءلة العائلية والمسؤولية الثانوية
يُعدّ بُعد المساءلة بعد الوفاة أكثر تعقيدًا حين يتصل بشبكات الأسرة التي سهّلت إخفاء الأصول أو أسهمت في إدارتها أو استفادت من عائداتها. ويعكس إدراج خمسة عشر فردًا من العائلة ضمن التحقيقات الرسمية في إسبانيا اتجاهًا قانونيًا عمليًا مفاده أنَّ الانتفاع الواعي بعائدات الجرائم، أو الاشتراك في إخفائها وإعادة تدويرها، قد يفضي إلى مسؤوليات مدنية، وربما جنائية، لا سيما في قضايا غسل الأموال. وقد أظهر التحقيق القضائي نمطًا من إخفاء الأصول عبر استخدام أفراد من العائلة كواجهات قانونية، بحيث غدت زوجات رفعت وابنه الأكبر مالكين مسجلين ومديرين لشركات وأوعية استثمارية مرتبطة بحيازة العقارات وإدارتها.
وبموجب القانون الإسباني، يمكن ملاحقة من يثبت اشتراكه عن علم في غسل الأموال بصفته فاعلًا أصليًا، أو شريكًا بالمساعدة، أو التحريض أو التآمر، تبعًا لتكييف الأفعال والوقائع. وعلى نحو موازٍ، تتيح الأطر القانونية في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مسارات لمصادرة الأصول المتأتية من سلوك غير مشروع، بما يشمل أصولًا تكون بأسماء أفراد استفادوا من مكاسب غير مشروعة، حتى إن لم يكونوا الجناة الأصليين. كما تسمح أنظمة العقوبات الموجهة بتحديد أفراد من الدوائر القريبة ممن استفادوا ماليًا من الجرائم أو وفروا غطاءً لاستدامة أثرها الاقتصادي. والخلاصة القانونية هنا واضحة: الاستفادة المالية من عائدات الجريمة لا تمنح المستفيد حصانة، ولا تُحوّل العائد غير المشروع إلى ملكية مشروعة بمرور الزمن أو بانتقال الحيازة داخل الأسرة. وعليه، فإنَّ أبناء رفعت وأفراد عائلته، ما داموا يحتفظون بأصول متأتية من اختلاس أموال عامة أو لديهم قدرة على الوصول إليها أو إدارتها، يظلون عرضة لإجراءات المصادرة المدنية، وإمكانات إدراجهم ضمن أنظمة عقوبات، بل وللملاحقة الجنائية متى ثبت التواطؤ المباشر أو العلم بالمصدر غير المشروع للأموال.
في الوقت ذاته، أتاح انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 هامشًا مؤسسيًا جديدًا لإطلاق مسارات عدالة انتقالية، حتى إن بقيت بنيتها الوطنية غير مكتملة من حيث التشريع والإدارة والقدرة على الإنفاذ. ورغم استحالة محاكمة رفعت أو سجنه، فإنَّ وفاته لا تمنع توثيق الجرائم توثيقًا كاملاً، ولا تمنع تثبيت المسؤولية في سرديات قضائية أو شبه قضائية، ولا تحفظ شهادات الضحايا ضمن أرشيف رسمي يضمن عدم طمس الذاكرة. وتحتفظ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان بسجلات تفصيلية لضحايا مجزرة حماة عام 1982، وترى أنَّ الضحايا وذويهم من بين الأحق بالانتفاع من أي تعويضات تُموّل من الأموال المستردة من رفعت الأسد. كما أنشأت الشَّبكة قواعد بيانات تُبيّن أنماط الانتهاكات وتربطها ببنية القيادة والمسؤولية التي حكمت سياق المجزرة.
خاتمة
يمثل موت رفعت الأسد نموذجًا للمساءلة خارج قاعات المحاكم، بوصفه اختبارًا لقدرة القانون على إنتاج أثره في غياب الجسد الذي كان ينبغي أن يمثل أمام القاضي. فالثروات المنهوبة يمكن أن تعود إلى سوريا عبر آليات استرداد الأصول التي لا تتوقف على الإدانة الجنائية أو على بقاء الجاني حيًّا. كما يبقى أفراد عائلته عرضة للتحقيقات والملاحقات المرتبطة بغسل الأموال وإخفاء الأصول والانتفاع بعائدات غير مشروعة. وتُرسّخ النتائج القانونية الدولية، بما فيها لائحة الاتهام السويسرية، والإدانة الفرنسية، والتحقيق الإسباني، صفة المسؤولية المقرونة باسمه في السجل القانوني والسياسي. وعلى المستوى الوطني، تستطيع آليات العدالة الانتقالية أن تُنتج سجلات رسمية، وتفتح منصات للشهادات، وتؤسس لحق الضحايا في الحقيقة والاعتراف، بما يحفظ الذاكرة العامة من التلاشي أو التسييس.






