قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، لعنب بلدي، إن قيام الأمم المتحدة بإيفاد بعثة ميدانية إلى محافظة القنيطرة لتقصّي الوقائع وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، يُحدث تحوّلًا في توصيف الحدث من كونه روايات محلية متنازعًا عليها إلى مادة موثقة ضمن سجل أممي رسمي.
وأضاف أن مجرد إدراج الوقائع ضمن قنوات التوثيق الأممية، يجعلها قابلة للانعكاس في تقارير دورية أو خاصة، ويؤهلها لأن تُناقَش في الأطر السياسية الأممية المختصة، بما في ذلك مجلس الأمن والجمعية العامة، ويمنحها لاحقًا قيمة مرجعية عند بناء مطالبات المساءلة وجبر الضرر والتعويضات وفق قواعد المسؤولية الدولية.
وتتجسد أهمية هذه الخطوة، بحسب عبد الغني، في رفع القيمة الإثباتية للأدلة من خلال منهجية جمع مُحكمة تراعي متطلبات السلامة الإجرائية، وعلى رأسها ضمان سلسلة الحيازة للأدلة، وتوثيقها الميداني بصورة تقلّل من الطعن في مصدرها أو سلامة إجراءات جمعها.
وأوضح عبد الغني أن اعتماد شهادات ميدانية موثقة ومسنودة بمعاينات مباشرة، يعزّز إمكانية الاستناد إلى هذه المواد في التقارير الدورية ذات الصلة، ويزيد من وزنها داخل مداولات الدول عند مناقشة التطورات والوقائع الميدانية.
وبيّن أن الزيارة الأممية تكتسب دلالة قانونية خاصة عندما تُربط الوقائع بإطار اتفاق فصل القوات لعام 1974، ولا سيما إذا كان التوثيق يشمل وجودًا أو نشاطًا عسكريًا غير مصرّح به داخل منطقة الفصل، أو أي إجراءات تُقيد حركة بعثة الأمم المتحدة ذات الصلة أو تعوق قيامها بولايتها، كون الاتفاق يمثل مرجعية تشغيلية وقانونية تُتابعها أجهزة الأمم المتحدة بصورة دورية، ويُنظر إلى أي إخلال بأحكامه على أنه عنصر يدخل في صلب تقييم الاستقرار، ومشروعية السلوك، ومدى احترام الالتزامات المترتبة على أطرافه.
انتهاكات قابلة للضبط القانوني
أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية التي ركزت عليها “الشبكة” في القنيطرة، تتمحور بشكل أساسي حول فئات انتهاكات ذات قابلية عالية للضبط القانوني والإثبات، وفي مقدمتها الوجود والأنشطة العسكرية داخل منطقة الفصل، وما يتصل بها من إنشاء مواقع أو نقاط أو تعزيزات، بوصفها تمس مباشرة بنظام الفصل والقيود التي أنشأها الاتفاق.
وقال إن “الشبكة” توصي بإيلاء اهتمام خاص للأضرار البيئية وللاعتداء على الموارد الطبيعية والممتلكات، بما في ذلك أعمال التجريف وإزالة الأشجار أو الإضرار بالمحميات، لما لذلك من أبعاد تتصل بحماية الممتلكات والموارد والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان، فضلًا عن الأثر طويل الأمد على سبل العيش.
وأكد عبد الغني أهمية توثيق المداهمات الليلية للمنازل والاستجوابات والاحتجازات، بوصفها تمس حقوقًا جوهرية كالسلامة الشخصية والحرمة المنزلية وضمانات الاحتجاز، وتُعد من أكثر الوقائع التي تسمح بإنشاء تسلسل زمني وشبكة شهود، وتحديد مسؤوليات قيادية أو نمطية إذا تكررت بالأسلوب ذاته، ويُستحسن أيضًا توثيق القيود على سبل العيش، مثل منع الرعي أو منع جمع الحطب أو تقييد الوصول إلى الموارد، لأنها قد تُشكّل في مجموعها تدابير قسرية تمس الحقوق الأساسية وتدفع إلى تغيير قسري في أنماط الحياة أو الإقامة.
ونوه مدير “الشبكة السورية” إلى أن محور استهداف الصحفيين والعاملين الإنسانيين، بما في ذلك الملاحقة أو الاحتجاز أو تعطيل العمل الإغاثي، يعد من المحاور ذات الحساسية القانونية والسياسية العالية، لأنه يرتبط بحماية العاملين المدنيين وبضمان وصول المساعدة الإنسانية وبحرية الإعلام، كما أنه غالبًا ما تنتج عنه أدلة مادية وشهادات مهنية موثقة قابلة للتحقق.
أما مسألة استخدام القوة للترويع أو الضغط المؤدي إلى النزوح القسري، فيرى مدير “الشبكة السورية” أن يتم تناولها بحذر منهجي عبر تجميع قرائن قوية على العلاقة السببية بين السلوك القسري والنتيجة، وإثبات انعدام البدائل الواقعية، وقياس أثر الأفعال على حركة السكان في الزمان والمكان ذاتهما.






