صدر عن دار الفكر كتاب «تقويض استقلال القضاء في سوريا في عهد الأسد الأب والابن وسبل الإصلاح» بوصفه دراسةً تحليليةً شاملة في بنية القضاء السوري ومسارات إخضاعه السياسي والأمني عبر عقود. ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أنَّ استقلال القضاء استهدف عبر هندسةٍ قانونية ومؤسسية تراكمت تدريجيًا حتى أفضت إلى تحويل القضاء من سلطةٍ يُفترض أن تحمي الحقوق والحريات إلى جهازٍ وظيفي يخدم منطق التحكم السياسي ويضعف ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون.
يرسم الكتاب خطًّا تاريخيًا يوضح كيف شكّلت حالة الطوارئ الممتدة، وما رافقها من تشريعات استثنائية وتجريمٍ فضفاض لجرائم أمن الدولة، بيئةً مواتية لتوسع نفوذ الأجهزة الأمنية وتهميش الضمانات القضائية. كما يتناول أثر البنية الدستورية التي منحت السلطة التنفيذية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، أدواتٍ مباشرة وغير مباشرة للتحكم بالسلطة القضائية، من خلال إدارة التعيين والترقية والنقل والعزل، وما ترتّب على ذلك من إضعاف الاستقلال المؤسسي للقضاة وترسيخ رقابةٍ غير رسمية على عملهم.
ويفرد الكتاب مساحةً واسعة لتحليل المحاكم الاستثنائية بوصفها إحدى أهم أدوات “تفريغ العدالة من مضمونها”، مع إبراز أنَّ طبيعتها وإجراءاتها-من تقييد حق الدفاع إلى غياب الضمانات الإجرائية وضعف أو انعدام طرق الطعن-تضعها في تعارضٍ بنيوي مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. كما يناقش استمرار منطق الاستثناء في مراحل لاحقة عبر إعادة إنتاجه بأطرٍ جديدة تحت عناوين مختلفة، بما فيها مكافحة الإرهاب، وما يعنيه ذلك من اتساع نطاق الملاحقات ومأسسة الانتهاكات داخل عملية العدالة نفسها.
ولا يكتفي الكتاب بتقديم “تشخيصٍ” لأزمة القضاء، بل يطرح برنامجًا إصلاحيًا ذا طابع بنيوي، يقوم على إعادة بناء الضمانات التي تجعل استقلال القضاء حقيقةً عملية لا مجرد نصوصٍ معلنة. في مقدمة هذه المقترحات يأتي إصلاح مجلس القضاء الأعلى وفصل رئاسته ووظيفته عن الهيمنة التنفيذية، وتحصين الجسم القضائي من أدوات الضغط الإداري والسياسي، وإلغاء الاستثناءات القضائية أو تقليصها وفق معايير صارمة، وتطوير القواعد والإجراءات بما ينسجم مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك ضمانات حق الدفاع وحظر الاعتداد بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب. كما يتناول الكتاب أهمية التدريب والتأهيل المستمر، وإمكان الاستفادة من الخبرات المقارنة والدعم الفني الدولي دون المساس بملكية السوريين لمسار الإصلاح.
يقدّم هذا الكتاب مادةً معرفية وعملية متكاملة للمهتمين بإصلاح العدالة في سوريا: للقضاة والمحامين، ولصانعي السياسات، وللباحثين في القانون الدستوري وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. فهو يربط بين استقلال القضاء بوصفه قاعدةً دستورية وبين كونه شرطًا لازمًا لمحاسبة المنتهكين، وإنصاف الضحايا، وبناء الثقة العامة في الدولة، وضمانات عدم التكرار. وفي السياق السوري، يذكّر الكتاب بأنَّ أي مسارٍ جاد للانتقال نحو دولة القانون لا يمكن أن يتجاوز سؤال القضاء: كيف بُنيت تبعيته؟ وكيف تُستعاد وظيفته بوصفه ضامنًا للحقوق؟


