كتب فضل عبد الغني فصلًا في هذا الكتاب، ويتناول الفصل المعنون «العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد: الأطر والآليات والتحديات» بناء تصورٍ تحليلي-معياري لمسار العدالة الانتقالية في سوريا عقب لحظة التحوّل السياسي التي يؤطّرها النص بوصفها لحظة فاصلة أعقبت انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع إبراز حجم الإرث الانتهاكي بوصفه نقطة الانطلاق لأي تصميم مؤسسي واقعي للعدالة. ويُقدّم الفصل العدالة الانتقالية كنموذجٍ للتحول المجتمعي وبناء السلام المستدام، عبر مقاربةٍ شاملة تدمج بين الملاحقات القضائية، وكشف الحقيقة، والتعويضات وتخليد الذكرى، والإصلاح المؤسسي في منظومةٍ واحدة مترابطة.
ينطلق الفصل من تشخيصٍ كميّ ونوعيّ لمدى الانتهاكات بوصفها «سياقًا مُحدِّدًا للتصميم»، مبرزًا أرقامًا دالة على اتساع العنف المنهجي، مثل أعداد الضحايا المدنيين والاعتقال والاختفاء القسري والوفيات تحت التعذيب، بوصفها مؤشرات على طبيعة دولةٍ استخدمت أجهزة القمع كمنظومة حُكم لا كاستثناء أمني. ومن ثمّ يُبرهن النص أنَّ التحدي السوري ليس مجرد محاسبة أفراد، بل تفكيك بنى الإفلات من العقاب وإعادة تأسيس الثقة العامة في المؤسسات، لأنَّ العنف كان «بيروقراطيًا» ومنظمًا ويستند إلى شبكات أمنية متداخلة.
على المستوى النظري، يُرسّخ الفصل بنية العدالة الانتقالية على أربع ركائز متساندة: المساءلة الجنائية، والحقيقة والمصالحة، والتعويضات/تخليد الذكرى، والإصلاح المؤسسي. ويؤكد أنَّ هذه الركائز تعمل كعناصر ضمن هندسةٍ واحدة تُنتج أثرها عندما تُصمَّم وتُنفَّذ بتكاملٍ وتسلسلٍ رشيدين، مع إبراز مركزية «النهج المرتكز على الضحية» بوصفه معيارًا لشرعية العملية وفاعليتها.
ويُفرد الفصل مساحةً لتحليل الخصوصية السورية بوصفها حالة انقسامات اجتماعية عميقة، مع تراكب الدمار الاقتصادي والنزوح واسع النطاق، بما يُنتج ما يسميه النص ضمنيًا مفارقة الحاجة القصوى للعدالة في لحظة محدودية الموارد والقدرات. ويُظهر هنا أنَّ تصميم آليات العدالة لا ينفصل عن شروط الاقتصاد السياسي لما بعد النزاع، ولا عن آثار التشظي الأمني وتعدد الفاعلين المسلحين والتدخلات الخارجية، الأمر الذي يعقّد تحديد المسؤوليات، ويزيد كلفة بناء مؤسسات عدالة قادرة على العمل في بيئة انتقالية هشة.
وفي جانب «إرساء الإطار القانوني»، يتبنى الفصل مقاربة تأسيسية تُفضل التحصين الدستوري والتشريعي لآليات العدالة الانتقالية، ويربط ذلك بما يسميه «الكرامة التشريعية» وشمولية أصحاب المصلحة، بوصفها ضمانة ضد الانفراد التنفيذي وتسييس العدالة. وفي هذا السياق، يقدّم نقدًا واضحًا لمخاطر إنشاء مؤسسات العدالة الانتقالية بقرارات تنفيذية قد تُنتج تشرذمًا مؤسسيًا وتنافس اختصاصات، ويستشهد بحالة تأسيس هيئة للمفقودين خارج المظلة الشاملة للعدالة الانتقالية بوصفها مثالًا على مخاطر التفكيك المؤسسي لمسارات الحقيقة والمساءلة.
كما يطوّر الفصل تصورًا عمليًا لآليات التنفيذ: من «استراتيجية ادعاء» تُراعي القيود الواقعية وتوازن بين أولوية القيادة العليا واتساع نطاق الجرائم، إلى نماذج المحاكم المختلطة والتعاون الدولي، وصولًا إلى هياكل لجان الحقيقة والتوثيق، ولا سيما ملف المفقودين والمقابر الجماعية وحماية الأدلة. ويضع كل ذلك ضمن منطقٍ تكاملي: الحقيقة تُغذّي المساءلة، والإصلاح المؤسسي يفتح المجال لمساءلة غير انتقائية، والتعويضات تُعيد الاعتبار للضرر الفردي والجماعي، بينما يظل ضمان عدم التكرار هو الاختبار النهائي لنجاح العدالة الانتقالية كتحولٍ في بنية الدولة لا كاستجابةٍ ظرفية.


