وحول هذا الموضوع يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان السيد فضل عبد الغني في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، بأن ملف الأطفال المفقودين في سوريا يبقى تحديا بالغ التعقيد، لأنه يتقاطع بين مسارين رئيسيين: مسار مرتبط بأنماط الاعتقال والاختفاء القسري التي أدت إلى فصل أطفال عن أسرهم وإحالتهم كـ”حالات أمنية” إلى مؤسسات رعاية خارج أي مسار قانوني شفاف وقابل للتتبع، ومسار آخر نتج عن النزوح الجماعي والفوضى الإدارية وتفكك السجلات المدنية والخدمية خلال سنوات الحرب، بما جعل حالات الانفصال الأسري تتراكم داخل منظومات محلية متباعدة وغير مترابطة.
ويضيف عبد الغني أنه وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن حالات اختفاء الأطفال لا يمكن اختزالها في واقعة واحدة أو مؤسسة بعينها، بل تتوزع على أنماط متداخلة، أبرزها: أطفال فصلوا عن ذويهم أثناء الاعتقال أو عند نقاط التفتيش أو خلال مداهمات أمنية، وأطفال انقطع أثرهم أثناء النزوح والقصف ثم ظهروا لاحقا ضمن سجلات رعاية أو أحداث أو قيود محلية متفرقة، فضلا عن حالات تتصل بإعادة تسجيل الهوية أو تغيير البيانات أو فقدان الوثائق، وهو ما يجعل إثبات الهوية ولم الشمل عملية متعددة الطبقات تتطلب مقارنة السجلات والقرائن والشهادات، وأحيانا اللجوء إلى فحوصات النسب عند الضرورة.
ويؤكد رئيس الشبكة أن بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 2025 أفصح عن “قوائم موثقة تضم قرابة 3700 طفل مختف قسريا على يد نظام الأسد”، وأن “3700 طفل على الأقل” ما زالوا مختفين قسريا رغم فتح بعض السجون لاحقا وبقاء مصيرهم مجهولا، مشيرا إلى أن أسباب استمرار الغموض تتحدد في ثلاث عقد مركزية.
الأولى عقدة الهوية القانونية والبيولوجية للطفل في بيئة فقدت فيها الوثائق وتعارضت فيها القيود بين السجل المدني ومؤسسات الرعاية والجهات الأمنية والقضائية، بما يخلق “هوية متنازعا عليها” تحتاج إلى منهج إثبات متدرج.
أما العقدة الثانية فهي عقدة حماية الطفل أثناء البحث، أي تحقيق توازن دقيق بين حق الأسرة في المعرفة ولم الشمل وبين السرية ومنع الوصم والتأكد من عدم إعادته إلى بيئة غير آمنة، مع جعل “المصلحة الفضلى للطفل” معيارا حاكما لكل قرار.
أما العقدة الثالثة بحسب عبد الغني فهي قابلية المساءلة، إذ إن مرور الزمن وتلف الأدلة أو إخفاءها وتعدد الجهات التي تداولت الملف، كلها عوامل تصعب ربط الإيداع القسري وسلسلة القرارات الإدارية والأمنية بمسؤوليات أفراد ومؤسسات على نحو يصلح للمحاسبة القضائية.
وبناء على ذلك يعتقد أن المعالجة الفعالة لهذا الملف تستلزم مواءمة مسارين في آن واحد: مسار إنساني عاجل يهدف إلى التتبع ولم الشمل والدعم النفسي والاجتماعي، ومسار حقوقي مؤسسي يضمن إدارة بيانات آمنة، وإجراءات إحالة وتحقق موحدة، وضمانات تمنع إنتاج “أطفال بلا هوية” أو تسويات إدارية تكرس واقعا فرض بالقسر.






