يُعدّ مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من أكثر المبادئ تأثيراً في تطوّر الحكم الدستوري الحديث. وقد صاغ مونتسكيو هذا المبدأ بصورة منهجية في كتابه «روح القوانين» (1748)، تأسيساً على قناعة مفادها أن تركيز وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء في يد جهة واحدة يولّد الاستبداد.
غير أنّ هذا المبدأ يواجه أقسى اختباراته خلال فترات الانتقال السياسي، حين تمرّ المجتمعات بثورة، أو انهيار للنظام، أو صراع مسلح. إذ تُنتج البيئات الانتقالية ضغوطاً هيكلية تميل لصالح المركزية التنفيذية: هشاشة المؤسسات، وتنازع الشرعية، وتشتت المجتمع المدني، وتنامي خطاب الاستعجال في الإنجاز بوصفه مبرراً جاهزاً لتعليق الضوابط والتوازنات. وتُظهر تجارب ما بعد الصراع وما بعد السلطوية أن تآكل الفصل المؤسسي في المرحلة الانتقالية كثيراً ما يرسخ أنماطاً جديدة من السلطوية بدلاً من تعزيز الترسّخ الديمقراطي. لذلك، فإن فهم أسباب وكيفية صون الفصل بين السلطات في هذه المنعطفات الحرجة يُعدّ ضرورة نظرية وعملية في آن واحد.
الأسس النظرية: مونتسكيو، وماديسون، ومنطق الكبح المؤسسي
يفترض التصوّر الكلاسيكي للفصل بين السلطات إسناد الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى مؤسسات متميزة ومستقلة. وقد جادل مونتسكيو بأن اجتماع السلطتين التشريعية والتنفيذية في شخص واحد أو هيئة واحدة يفضي إلى زوال الحرية، لأن الجهة ذاتها التي تضع قوانين استبدادية ستملك أدوات إنفاذها على نحو استبدادي. ويمتد هذا المنطق إلى السلطة القضائية؛ إذ حذّر من أن اقتران القضاء بالتشريع يجعل السلطة على حياة المواطنين وحرياتهم تعسفية. وقد أسهم هذا التصور الثلاثي في تشكيل هندسة الديمقراطيات الدستورية الحديثة، ولا سيما في نموذج الدستور الأميركي الذي يوزّع السلطة بين فروع متساوية، ويزوّدها بآليات متبادلة للكبح والتقييد.
وفي السياق نفسه، شدد جيمس ماديسون في «الورقة رقم 48» من «الأوراق الفدرالية» على ضرورة توفير ضمانات عملية لكل فرع ضد تغوّل الفروع الأخرى. ويستهدف نظام الضوابط والتوازنات الناتج عن ذلك منع هيمنة أي فرع منفرداً، بما يعزّز التفاوض والتعاون والمساءلة. وجوهر هذا التقليد ليس إجرائياً فحسب، بل موضوعي أيضاً؛ إذ يعمل الفصل المؤسسي كآلية لحماية الحرية الفردية ومنع إعادة تركيز السلطة. وبناءً عليه، يشكّل هذا المبدأ كذلك أساساً للثقة العامة عبر ترسيخ الشفافية والمساءلة الأفقية، بحيث يراقب كل فرع سلوك الفروع الأخرى، بما يعزز المصداقية المؤسسية اللازمة للشرعية الديمقراطية.
المفارقة الهيكلية للمراحل الانتقالية: لماذا تشتد الحاجة للضمانات
تكشف التحولات السياسية مفارقة بنيوية مفادها أن الشروط التي تجعل الضوابط والتوازنات أكثر إلحاحاً هي نفسها التي تجعلها أكثر قابلية للتفكيك. فبيئات ما بعد الصراع تتسم عادةً بتضرر الهياكل الحكومية أو غيابها، وضعف الخبرة الإدارية، وهشاشة تقاليد سيادة القانون، وتمزق المجتمع المدني. وفي مثل هذه السياقات، تتعرض السلطة التنفيذية لضغوط وحوافز كثيفة نحو تمركز السلطة، ويجري تبرير ذلك غالباً بضرورات إعادة الإعمار، أو مواجهة التهديدات الأمنية، أو متطلبات «السرعة» في القرار.
وتعزّز دراسات الدساتير المقارنة في الدول الخارجة من النزاع هذه الديناميكية؛ إذ تشير خبرات سياقات متباينة مثل البوسنة والهرسك، وجنوب إفريقيا، ولبنان، وأوغندا إلى أن تركيز السلطة الذي تخلقه هياكل تنفيذية قوية في مراحل ما بعد الصراع قد انتهى، في غير حالة، إلى إنتاج حكومات مهيمنة تتمحور حول شخص أو كتلة ضيقة. والأكثر أهمية أن هذه البنى، متى ترسخت، يصبح التراجع عنها بالغ الصعوبة. ويلاحظ أيضاً أن هذا النمط قد يتكرر بغض النظر عن كون النظام رئاسياً أو برلمانياً، بما يوحي بأن الخطر لا يكمن في «التسمية الدستورية» بقدر ما يكمن في توزيع السلطة الفعلية الكامن في تصميم المؤسسات.
وتوضح الأدبيات المعاصرة حول التراجع الديمقراطي أن «التغوّل التنفيذي» بات أحد المسارات الأكثر شيوعاً لتآكل الديمقراطيات المعاصرة، عبر تركيز تدريجي للسلطة يقوّض القيود التشريعية والقضائية والمجتمعية من خلال قنوات تبدو قانونية ظاهرياً. وتتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة: تقليص دور البرلمان والمحاكم، الاستحواذ التشريعي بواسطة أغلبية موالية، الالتفاف على المعارضة عبر استفتاءات مُسيّسة، أو تفريغ المعايير الديمقراطية من مضمونها عبر تواطؤ نخبوي. وبذلك، فإن وجود فروع منفصلة شكلياً لا يكفي دون استقلال مؤسسي حقيقي ومعايير سياسية راسخة تمنع هيمنة فرع على آخر.
القضاء والمشرّع: الاستقلال شرطٌ للانتقال الديمقراطي
يضطلع القضاء المستقل في التحولات السياسية بوظائف حاسمة: الفصل الحيادي في النزاعات بين الدولة والأفراد، كبح تجاوزات السلطة التنفيذية، حماية الحقوق الأساسية، وترسيخ سيادة القانون. ويعني الاستقلال القضائي أن تُبنى الأحكام على مبادئ قانونية لا على اعتبارات النفوذ السياسي، وهو ما يُعد ضرورياً لتعزيز الثقة العامة في النظام القانوني الجديد. وفي هذا الإطار، تؤكد «الإرشادات العالمية لتعيينات المحاكم العليا» الصادرة عن Constitution Hill Human Rights Precinct أن من الأهداف المركزية لأي نظام سياسي في مرحلة انتقالية إنشاء قضاء مستقل بالتوازي مع إدماج القواعد الدستورية الجديدة، لأن قضاة مستقلين وحدهم قادرون على تحويل أهداف العدالة الانتقالية، بما فيها الحقيقة والمساءلة والمصالحة، إلى وقائع مؤسسية لا مجرّد تطلعات.
وتعرض الخبرات المقارنة طيفاً واسعاً من النتائج: ففي بعض الحالات، أسهم تعيين قضاة دستوريين ذوي سمعة مهنية رفيعة واستقلالية ظاهرة في خلق قيود شرعية على السلطة الحكومية وفرض المقتضيات الدستورية حتى حين كانت مكلفة سياسياً. وفي حالات أخرى، عزّز حضور قضاة دوليين مستقلين في محاكم انتقالية القدرة على إعادة الانتظام الدستوري رغم هشاشة البيئة السياسية. وعلى النقيض، حين تعرضت الأجهزة القضائية لعمليات تطهير سياسي أو افتقرت إلى ضمانات دستورية وآليات تعيين شفافة، انهار الاستقلال القضائي. وتنبثق هنا مسألة تحليلية مركزية في الأدبيات المقارنة: التباين بين الاستقلال القانوني (de jure) والاستقلال الواقعي (de facto)، إذ كثيراً ما تفشل النصوص وحدها في إنتاج استقلال عملي ما لم تسندها ثقافة مؤسسية وآليات تنفيذ فعّالة.
أما السلطة التشريعية فتواجه ضعفاً موازياً في البيئات الانتقالية. ففي الديمقراطيات المستقرة، يعمل البرلمان كقيد مؤسسي أساسي على الجهاز التنفيذي، غير أن الدراسات المقارنة تُظهر أن البرلمانات في مراحل ما بعد الصراع غالباً ما تكون ضعيفة الفعالية، سواء كان النظام رئاسياً أو برلمانياً. ويفضي ضعف البرلمان إلى فراغ رقابي يسمح بترسيخ نزعات سلطوية؛ لذلك تُصبح مسألة تعزيز القدرات التشريعية، وضمان احترام مدة الولاية، وتحصين أدوات الرقابة البرلمانية، جزءاً لازماً من أي مقاربة دعم دولي أو إصلاح داخلي. وفي
مسارات التراجع، يتحول البرلمان أحياناً إلى أداة لترسيخ السلطة التنفيذية، عبر تشريعات مواتية، وإضعاف القضاء، ومنح الغطاء السياسي لتجاوزات غير دستورية.
الفصل بين السلطات والعدالة الانتقالية
تقوم العلاقة بين الفصل بين السلطات والعدالة الانتقالية على ترابط عضوي. فقد أكدت رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن مسار العدالة الانتقالية في سوريا أن عمل لجان الحقيقة، ومحاكمات المساءلة، وبرامج جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، يتطلب قضاءً مستقلاً وبرلماناً فاعلاً. فإذا خضعت المحاكم لهيمنة السلطة التنفيذية غدت المحاكمات عرضة للتسييس، وتراجعت حقوق الضحايا أمام ضرورات الملاءمة السياسية. وإذا ضعفت المجالس التشريعية أو استُقطبت على نحو حاد، أمكن سن قوانين عزل أو «تطهير» واسعة من دون مداولات جادة أو رقابة قضائية كافية. ومن ثمّ، فإن آليات العدالة الانتقالية لا تعمل في فراغ؛ بل تحتاج إلى سند من إصلاح قضائي أوسع، وإعادة هيكلة قطاع الأمن، وإصلاحات اقتصادية، ومشاركة مجتمعية فعالة.
كما لا يقتصر أثر الفشل في صون الفصل المؤسسي في المراحل الانتقالية على إدارة الحكم الآنية؛ إذ إن تركيز السلطة التنفيذية يغذّي منطق الانتقام على حساب المصالحة، ويزعزع التنافس السياسي، ويقوّض الأساس المؤسسي للتداول السلمي للسلطة. فالتداول الديمقراطي يفترض وجود سلطات ثلاث مستقلة: تشريعية تشرّع، تنفيذية تُدير وتحكم، وقضائية تفصل في المنازعات وتكفل الحقوق. ومن دون هذه البنية، تصبح التحولات عرضة لاستيلاء الفصائل المهيمنة على الدولة، وتفتقر إلى قاعدة مؤسسية لحكم ديمقراطي مستدام.
وتضيء الأبحاث التجريبية حول الضوابط والتوازنات على هذه الديناميكية؛ إذ يميل بعض المواطنين، تحت ضغط الانسداد السياسي أو الخوف من الفوضى، إلى تفضيل تجاوز القيود المؤسسية، حتى عندما تكون النتائج بعيدة المدى ضارة. وهو ما يعني أن «المزاج الانتقالي» ذاته قد يدفع نحو مركزية تنفيذية متنامية. وكل توسع استثنائي في سلطة الجهاز التنفيذي خلال هذه الفترات يخلق سوابق يصعب التراجع عنها لاحقاً، على نحو تؤكده الخبرات المقارنة باستمرار.
في الختام، كشفت لنا الأطر الانتقالية التي تستدعي الفصل نظرياً؛ في حين تركز السلطة موضوعياً في يد الجهاز التنفيذي عن فجوة مستمرة بين الالتزام الخطابي والواقع المؤسسي. ويتمثل التحدي أمام السلطات الانتقالية، ومصممي الدساتير، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، في ترسيخ ضمانات هيكلية قابلة للإنفاذ منذ البداية، مع إدراك أن الخيارات المؤسسية المتخذة في المرحلة الانتقالية هي التي تحدد ملامح النظام السياسي اللاحق.






