يقدم التقرير الأخير للجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن الجمهورية العربية السورية، الذي يغطي الفترة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 31 كانون الثاني/يناير 2026، تقييما مستقلا للسنة الأولى في سوريا بعد سقوط حكومة الأسد. واستناداً إلى أكثر من 500 مقابلة وإلى تحقق مكثف من الوثائق، وبرغم إعداده في ظل قيود شديدة فرضتها أزمة السيولة في الميزانية العادية للأمم المتحدة، يعرض التقرير صورة لبلد يتعايش فيه تقدم مؤسسي حقيقي مع انتهاكات جسيمة ومستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. ويتمثل التوتر المركزي في فجوة بين التزامات الحكومة الجديدة المعلنة بالمساءلة وحماية الحقوق من جهة، والواقع العملي للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي أعادت إنتاج أنماط من العنف الطائفي والاحتجاز التعسفي وتدمير الممتلكات من جهة أخرى.
ويحدد التقرير موجتين من العنف واسع النطاق بوصفهما الحدثين الفارقين في عام 2025. اندلعت الموجة الأولى في آذار/مارس في المحافظات الساحلية وغرب الوسط عقب هجمات شنها مقاتلون موالون للحكومة السابقة، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1,400 شخص، كان معظمهم من المدنيين العلويين، على يد عناصر من القوات المسلحة الحكومية وأفراد يعملون إلى جانبها. أما الموجة الثانية، في تموز/يوليو، فقد ضربت مجتمعات الدروز والبدو في السويداء، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1,500 شخص. وفي كلتا الواقعتين، خلصت اللجنة إلى وجود أنماط متسقة من الاستهداف على أساس الانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، إذ أُخرج الرجال والفتيان قسراً من منازلهم وقُتلوا في عمليات إعدام جماعية، كما نُهبت المنازل وأُحرقت ودُمّرت. وقد انطوى العنف في الحالتين على جرائم حرب.
أما السبب البنيوي الذي حددته اللجنة، فيتمثل في دمج الفصائل المسلحة السابقة في قوات وزارتي الدفاع والداخلية الجديدتين من دون إخضاعها لفحص مسبق لسجلاتها في مجال حقوق الإنسان. فقد جرى استيعاب فصائل كاملة من «هيئة تحرير الشام» و«الجبهة الوطنية للتحرير» و«الجيش الوطني السوري»، بما في ذلك قادة خاضعون لعقوبات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، مع بقاء عضويتهم وخطوط الإبلاغ الخاصة بهم سليمة إلى حد كبير، واحتفاظهم بدرجة من الاستقلالية ومصادر إيرادات منفصلة. وترى اللجنة أن هذا العامل شكل شرطاً تمكينياً مباشراً لعنف آذار/مارس وتموز/يوليو. تحمل هذه النتيجة دلالة تحليلية مفادها أن نهج الحكومة في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أعطى الأولوية للتوحيد الشكلي للجماعات المسلحة على حساب الضمانات التي تقتضيها المعايير الدولية، وأن هذا الخيار كانت له عواقب متوقعة. ولم يبدأ التدريب على المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني إلا في منتصف عام 2025، أي بعد أشهر من وقوع أعمال العنف.
وتتبع الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز، كما وثقها التقرير، نمطاً يختلف عن التعذيب الممنهج الذي ساد في عهد الأسد، لكنه يثير مع ذلك مخاوف جدية بشأن استمرارية الأسلوب. فقد وثقت اللجنة حالات تعذيب وسوء معاملة في ثمانية عشر مرفق احتجاز رسمياً واثني عشر مرفقاً مؤقتاً في عدة محافظات، شملت «الشبح» و«الدولاب» و«الفلقة» والصدمات الكهربائية والعنف الجنسي. واحتُجز المعتقلون من دون أوامر قضائية، ومن دون إبلاغهم بالتهم المنسوبة إليهم، ومن دون عرضهم على قاض، ومن دون تمكينهم من الاستعانة بمحامين. واستوفت ثماني حالات موثقة عتبة الاختفاء القسري، كما جرى التحقيق في إحدى عشرة حالة وفاة في أثناء الاحتجاز. وفي حادثتين منفصلتين في حمص في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025، توفي ستة رجال علويين كانوا قد احتُجزوا خلال عمليات تمشيط، وقُبروا من دون علم عائلاتهم في مواقع دفن جماعي. وتطبق اللجنة هنا المبدأ المستقر الذي يفيد بأن فقدان الحياة في أثناء الاحتجاز يُنشئ قرينة على الحرمان التعسفي من الحياة، ولا يمكن دحض هذه القرينة إلا بتحقيق أصولي يثبت امتثال الدولة لالتزامها بحماية الحق في الحياة. وفي الحالات الموثقة، لم يُجر تحقيق من هذا القبيل.
ويغدو تناول التقرير لانتهاكات السكن والأراضي والملكية جديراً بالملاحظة من الناحية التحليلية للطريقة التي يتتبع بها سلسلة سببية تبدأ من الحرمان من الملكية في عهد الأسد وتنتهي إلى العنف الانتقامي في مرحلة ما بعد الانتقال. ففي ظل الحكومة السابقة، كانت انتهاكات السكن والأراضي والملكية تؤدي وظيفة معاقبة المعارضين ومكافأة الموالين. وقد أدى انهيار ذلك النظام إلى خلق ظروف سعت فيها المجتمعات المحرومة من ملكيتها إلى استعادة ما سُلب منها، في حين أصبحت المجتمعات التي كان يُنظر إليها بوصفها مستفيدة من رعاية عهد الأسد أهدافاً للانتقام. وفي منطقة «السومرية» في دمشق، تحول السكن العسكري والاجتماعي المشيد على أراض صودرت من سكان «معضمية الشام» إلى موقع لعمليات إخلاء قسري نفذها مسلحون تابعون للقوات الحكومية. وفي شمال حماة، أُفرغت قرى علوية من سكانها عبر القتل والاختطاف والتهديد بالقتل والبيوع القسرية، واحتل العائدون من المجتمعات المجاورة المنازل التي أُخليت. وخلصت اللجنة إلى أن السلطات المحلية أخفقت في تسهيل العودة الآمنة، وكانت في بعض الحالات متواطئة بصورة مباشرة في العنف الانتقامي. وتتمثل النقطة التحليلية هنا في أن مظالم السكن والأراضي والملكية التي تبقى بلا حل، في غياب إطار فعال لتسوية المنازعات، تولد دورات من النزوح تعيد إنتاج نفسها.
ويوثق التقرير نمطاً متميزاً من عمليات الاختطاف التي استهدفت النساء والفتيات، وغالبية الضحايا من الطائفة العلوية، ونُفذت في وضح النهار من الشوارع والأسواق. ومن بين 21 حالة حققت فيها اللجنة، تعرضت ثماني ضحايا على الأقل للعنف الجنسي في أثناء الأسر، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والزواج القسري، وعادت ثلاث ناجيات وهن حوامل. وفي إحدى الحالات الموثقة، جرى التعرف إلى الجناة بوصفهم مقاتلين أجانب مدمجين اسمياً في هيكل القيادة الحكومي. وتراوح رد فعل الدولة إزاء هذه الحالات بين التحقيق غير المكتمل وتشجيع العائلات على عدم متابعة الشكاوى. وفي حالتين، تعرضت ضحايا الاختطاف أنفسهن للاعتقال والتحقيق بتهم تتعلق بالزنا بعد إنقاذهن من قبل القوات الحكومية، وهي ممارسة ترى اللجنة أنها تفضي إلى وصم شديد، وتثني عن الإبلاغ، وتعزز إفلات الجناة من العقاب.
وعلى الصعيد الدولي، يوثق التقرير توسيع إسرائيل لعملياتها داخل الأراضي السورية بعد سقوط حكومة الأسد، بما في ذلك أكثر من 1,000 غارة جوية مُبلّغ عنها، وأكثر من 900 توغل بري في محافظة القنيطرة، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وهدم منازل المدنيين، واحتجاز مواطنين سوريين ونقلهم إلى إسرائيل، واستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين والمدنيين العزل. وخلصت اللجنة إلى أن الجيش الإسرائيلي وضع أراض إضافية تحت سلطته الفعلية، بما وسع النطاق الإقليمي لاحتلاله السابق. وقد صيغت هذه النتائج بلغة القانون الدولي الإنساني، إذ جرى تقييم تدمير الممتلكات المدنية في غياب الضرورة العسكرية، والنزوح القسري، ونقل المحتجزين، واستخدام القوة المميتة غير الضرورية ضد المتظاهرين، كل على حدة، بوصفها جرائم حرب محتملة. وفي الشمال الشرقي، اعتُبر استمرار «قوات سوريا الديمقراطية» في الاحتجاز الجماعي لنحو 27,000 شخص في مخيمي الهول وروج، ونحو 9,000 رجل وطفل في مرافق منتشرة في المنطقة، حرماناً غير قانوني من الحرية، في ظل ظروف تبلغ عتبة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
وتتمثل الصورة العامة التي يرسمها التقرير في عملية انتقالية حققت مكاسب مؤسسية حقيقية، لكنها لا تزال غير كافية. وتشمل هذه المكاسب إنشاء لجان وطنية للعدالة الانتقالية والأشخاص المفقودين، وإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين في النظام السابق، ورفع القيود التي كانت مفروضة في عهد الأسد على الحريات الأساسية، واتخاذ خطوات أولية نحو الإصلاح القضائي، وعودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح. وفي مقابل هذه المكاسب، تضع اللجنة سجلاً من الانتهاكات الجسيمة والمستمرة ارتكبتها القوى ذاتها التي تشكل اليوم الجهاز الأمني للدولة، وفاقمها غياب الفحص الفعال والمساءلة والقدرة القضائية. وتتمثل الخلاصة التحليلية النهائية للتقرير في أن فرصة قيام سوريا تحترم الحقوق لا تزال قائمة، لكنها تتقلص، وأن الشروط البنيوية التي تسمح بتكرار العنف الجماعي لم تُعالج بعد على نحو كاف.






