يرى فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي حصلت العام الفائت على ترخيص للعمل في البلاد وافتتحت مكتباً لها في دمشق، أن “المجتمع المدني السوري لا يزال أحد أهم الأصول الوطنية في البلاد”، إلا أنه “يعمل تحت ضغط تمويلي وسياسي، جعل جزءاً كبيراً من جهده موجَّهاً إلى الصمود المؤسسي أكثر من التوسع”. ويشير عبد الغني إلى أن هذا المجتمع “أظهر بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 قدرة واضحة على التمدّد إلى مناطق كانت مغلقة سابقاً أمام العمل الأهلي”. ويتابع: “استفاد من هامش حركة أوسع للوصول إلى أسر الضحايا والمعتقلين السابقين والمجتمعات المحلية”. ولكن هذا الانفتاح “جاء في لحظة تراجع حاد في التمويل”، ولذلك “لم ينتقل كثير من المنظمات من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى البناء الانتقالي كما ينبغي، بل وجدت نفسها مضطرة إلى تجميد برامجها أو تقليصها”.
وفي سياق الحديث عن الدور المنتظر من المجتمع المدني في المراحل الانتقالية، بفيد عبد الغني بأن “أهمية المجتمع المدني تكمن في أنه يحمل ذاكرة الضحايا، ويحوّل التوثيق من مجرد أرشيف إلى أساس للمساءلة والاعتراف والإنصاف”. ويضيف: “الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في سياق العدالة الانتقالية في سورية، تنظر إلى منظمات المجتمع المدني بوصفها جزءاً رئيسياً من بنية الرقابة والشفافية، إلى جانب الضحايا والمجتمعات المحلية والنساء والشباب. ومن دون هذا الدور، تصبح العدالة الانتقالية أقرب إلى قرار إداري تصوغه السلطة التنفيذية، لا إلى عملية وطنية سورية المنشأ والملكية والمشاركة”.
وفي الحالة السورية “يقوم المجتمع المدني بعدة وظائف متوازية”، كما بيّن عبد الغني، “منها التوثيق وبناء الملفات، والدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأسر المفقودين، والمناصرة القانونية، ومكافحة التضليل، وفتح قنوات تواصل مجتمعي تساعد على تخفيف الاستقطاب”. وأضاف: تنبع أهمية هذا الدور من أن الانتقال السوري لا يتعلق فقط بتغيير السلطة، بل بإعادة بناء الثقة العامة، واستعادة المجال العام، وخلق علاقة جديدة بين الدولة والمواطن والضحية. ولفت إلى أنه “مع اتساع الاحتياجات الإنسانية وتراجع التمويل الدولي المتاح، باتت المنظمات المدنية تعمل في بيئة مالية شديدة الانكماش”، مضيفاً: ازدادت الصورة سوءاً مع استمرار اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والموارد المتاحة، بعدما كانت خطط الاستجابة الإنسانية في السنوات الأخيرة تتلقى نسباً متدنية من التمويل المطلوب. وأشار إلى أن “الصدمة الكبرى جاءت مع تجميد المساعدات الأميركية في 20 يناير/ كانون الثاني 2025 مدة 90 يوماً بانتظار المراجعة”، مضيفاً: كانت الولايات المتحدة تمثل نحو ربع التمويل الإنساني لسورية في عام 2024، بما يقارب 400 مليون دولار، وتجميده أدى إلى توقف أو تقليص خدمات أساسية، وإلى شلل شبه فوري في برامج المجتمع المدني غير المصنفة برامجَ منقذة للحياة، بما في ذلك برامج النساء، والعدالة، والإعلام، والتحقق من المعلومات.
وبيّن عبد الغني أن الخدمات تتراجع مع ضعف التمويل، وتتراجع أيضاً القدرة على إنتاج انتقال متوازن، مع تقلص العمل الحقوقي، وبناء القدرات المحلية، والمرافقة القانونية، والدعم النفسي، ورصد الانتهاكات”، مضيفاً: هذه هي العناصر التي تشكل البنية التحتية للعدالة الانتقالية. وأن “تقليص تمويل منصات التحقق والإعلام المدني يفتح المجال أمام الشائعات والتضليل واحتكار السردية العامة، وهو خطر كبير في سياق سوري لا يزال هشاً ومشحوناً”، مضيفاً: يجب أن يُنظر إلى دعم المجتمع المدني بوصفه استثماراً في استقرار الانتقال وسيادة القانون.



