فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
على صعيد شخصي، هل تحقق ما كنت تنادي به خلال مشاركتك المبكرة في الثورة ضد النظام البائد؟
قدمتُ إلى هذا العمل في ربيع عام 2011، بصفتي شاهداً على فراغ صارخ. كان الجميع منشغلاً بالتنظير السياسي على أمل سقوط سريع للنظام، فيما كانت قوائم الشهداء والمعتقلين تتراكم من دون أن تجد منظومة توثيقية جادة تستوعبها. عندها قررتُ الفصل بين العمل الثوري والعمل الحقوقي، وهو قرار كلّفني عزلة عن بعض الحلقات الثورية.
ما تحقق على الصعيد الشخصي هو إثبات نموذج عمل قوامه أن التوثيق المنهجي الصارم يمكن أن يُترجم إلى أثر سياسي وقانوني حقيقي. هذا الجهد المتراكم على مدى سنوات أكسب الشبكة السورية مصداقية جعلت منها مصدراً أساسياً اعتمدته المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق المستقلة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واليونيسيف والعديد من وزارات الخارجية. وهذا هو المعنى الحقيقي لشعار «لا عدالة بلا محاسبة»: هو منهج عمل وعقيدة مؤسسية.
لكن، ما لم يتحقق بعد هو الهدف الأساسي، المتمثل بـ”المحاسبة الفعلية”، فسقوط النظام الأسدي حدث تاريخي بالغ الأهمية، لكنه لا يمحو إرث الإفلات من العقاب الذي راكمه النظام على مدى عقود، ولا يزال كثير من مجرمي الحرب أحراراً.
إذن، من منظور حقوقي، هل تحقيق العدالة هو شرط أساسي لازم لانتصار الثورة؟
من منظور حقوق الإنسان، لا يمكن الحديث عن “انتصار” بمعناه الكامل ما لم تقترن إزاحة النظام بمنظومة عدالة فاعلة. كان سقوط الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 شرطاً ضرورياً، لكنه ليس كافياً، فقد انطلقت الثورة السورية من أجل الكرامة وسيادة القانون والمساءلة، وهذه القيم لا تُقاس بلحظة السقوط وحدها، بل بما يحدث في اليوم التالي لها.
ما أبرز التحديات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا اليوم، خاصة فيما يتعلق بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات؟ وهل ترى أن غياب المحاسبة قد يهدد بإعادة إنتاج الانتهاكات في المرحلة المقبلة؟
يمكن إجمال أبرز التحديات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا اليوم على النحو الآتي:
أولاً: القضاء والإطار القانوني: يعاني النظام القضائي السوري من إرث البنية البعثية القمعية، ولا يزال بحاجة إلى إصلاح جذري قبل أن يُعهد إليه بمحاكمات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ثانياً: المختفون قسراً: وثّقت الشبكة، حتى آب/ أغسطس 2025، ما لا يقل عن 177,057 حالة اختفاء قسري منذ آذار/ مارس 2011، ويتحمل نظام الأسد مسؤولية أكثر من 90 بالمئة منها. الكشف عن مصيرهم بحاجة إلى جهد جبار ووقت طويل.
ثالثاً: المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب: أكثر ما يثير قلقي المقاربة الانتقائية في المحاسبة، من خلال التسوية مع بعض أذرع النظام الأسدي العسكرية والاقتصادية على حساب مبدأ المحاسبة الشاملة، وهذا يرسخ منطق الإفلات من العقاب.
بعد أكثر من عام على سقوط الأسد، ما هي أبرز القضايا الملحة التي لم تتحقق بعد؟
القضايا الملحة غير المنجزة: ملف التشاركية السياسية والتعددية واحترام الإعلان الدستوري. إن غياب إطار دستوري تشاركي يضمن حقوق الجميع والتوزيع العادل للسلطة يُبقي البلاد على شفير أزمات هوياتية متجددة.
وبكل تأكيد، ملف العدالة الانتقالية الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وإمكانيات وخبرات كي يتقدم إلى الأمام.






