من جهته، نوه مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن أدبيات العدالة الانتقالية تشدد على أن الرموز لا ينبغي أن تُفرض على عجل، بل أن تتبلور تدريجيًا عبر آليات مؤسسية تتيح المعالجة المجتمعية للأثر العاطفي للنزاع.
وتحدد الأدبيات، بحسب عبد الغني، فئات تمثيل أساسية لمثل هذه اللجان، تشمل خبراء موسيقا وملحنين ومختصين في التراث الثقافي، وممثلين عن المجتمع المدني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وممثلين إقليميين ومجتمعيين مستقلين عن البنى الحزبية، وخبراء في القانون الدستوري لضمان الاتساق مع المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية، بالإضافة إلى ممثلين عن الشباب لضمان الشرعية بين الأجيال، في سبيل منع احتكار فئة بعينها لعملية صياغة النشيد، مع ضمان الحد الأدنى من الكفاءة الفنية والقانونية في آن واحد.
أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن الدراسات تكشف عن قصور بنيوي في المناهج التي تعتمد حصرًا على مسابقات تدار عبر الوزارات دون آليات تشاركية أوسع، إذ غالبًا ما يُنظر إلى العمليات التي تقودها الوزارات بوصفها مركزية وإقصائية بما يقوض ملكية الجمهور للرمز المنتج، كما تبرز مخاطر التسييس عندما تهيمن الاعتبارات الحزبية على تشكيل لجان الاختيار، فتقدم المصالح السياسية على حساب الجدارة والمعنى الجامع، إضافة إلى ذلك، تفشل هذه المناهج عادة في ضمان التشاور الفعال مع الفئات الأكثر تضررًا من النزاع، بمن فيهم النازحون والأقليات والناجون، وهو ما تعده العدالة الانتقالية شرطًا جوهريًا في مقاربة تتمحور حول الضحايا.
وأضاف عبد الغني أن غياب جلسات استماع عامة ومعايير منشورة للتقييم، تجعل إجراءات الاختيار تبدو تعسفية وغير خاضعة للمساءلة، منوهًا إلى أن الضغط السياسي يميل الى تقليص مساحة المداولات الهادئة، بما ينتج رموزًا عاجزة عن التعبير الكافي عن الهوية الوطنية المركبة.
شرعية النشيد الوطني في السياقات الانتقالية، تفترض مشاركة متعددة المستويات تبنى على مراحل متتابعة تبدأ المرحلة الأولى، وهي مرحلة التشاور الأم واسع النطاق، عبر حملات توعية مدنية تشرح الدور الدستوري للنشيد ومعايير اختياره ومشاورات إقليمية لجمع التصورات حول القيم الجامعة والخطوط الحمراء وإشراك المجتمع المدني من خلال منتديات وهيئات ثقافية، إلى جانب منصات رقمية تيسر مشاركة المغتربين، وفق ما أشار إليه مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني.
وأضاف أن المرحلة التالية تشمل مسابقة مفتوحة تُدار وفق إرشادات تقديم شفافة، ومعايير تقييم معلنة تركز على الجدارة الفنية والشمولية وسهولة الأداء والغناء والملاءمة الرمزية، ثم تأتي مرحلة تقييم لجنة الخبراء بما يشمل الفحص الفني ومراجعة المضمون وإعلان مبررات الاختيار.
بعد ذلك تخضع المقترحات النهائية، بحسب مدير “الشبكة السورية”، لاختبارات أداء في المدارس والفضاءات العامة مع فتح فترات منظمة لتلقي الملاحظات تمكن المجتمع المدني وجماعات الضحايا من إبداء الرأي، قبل التصديق التشريعي أو الشعبي الذي يأتي كخطوة أخيرة عبر نقاشات برلمانية أو آليات استفتائية في تثبيت الشرعية وتحصين الرمز من الطعن السياسي اللاحق.






