فضل عبد الغني
في 18 آذار/مارس 2011، أطلقت قوات الأمن في درعا النار على متظاهرين طالبوا بالإفراج عن طلاب مدارس محتجزين، ما أدى إلى مقتل حسام عياش ومحمود الجوابرة، ليكونا من بين أوائل الضحايا فيما سيغدو واحدًا من أكثر النزاعات تدميرًا في القرن الحادي والعشرين. وعلى مدى السنوات الأربع عشرة التالية، قُتل ما لا يقل عن 231,000 مدني، واختفى قسريًا أكثر من 177,000 شخص، ونزح نحو 13.8 مليونًا.
اقترحت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اعتماد يوم 18 آذار/مارس يومًا وطنيًا للشهداء والمفقودين، مقرونًا بتوزيع زهور الياسمين الأبيض وإقامة دقيقة صمت جماعية. ويعدُّ إحياء الذكرى أداة معترفًا بها لجبر الضرر الرمزي في القانون الدولي. إذ تدرج “مبادئ الأمم المتحدة الأساسية والتوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر” إحياء الذكرى العامة وتكريم الضحايا ضمن عناصر الترضية.
كما تكرّس “مبادئ جوينيه/أورينتليشر” الحق في معرفة الحقيقة، موسعة نطاقه من الأسر الفردية إلى المجتمع ككل. ومن ثم، فإنَّ إحياء الذكرى يضفي طابعًا مؤسسيًا على الذاكرة الجماعية، ويثبتها في بنى عامة دائمة بدلًا من تركها لهشاشة المبادرات العفوية.
وتستند الحجة التحليلية هنا إلى ثلاث وظائف مترابطة يمكن لإحياء الذكرى المنظم أن يؤديها في سياقات ما بعد النزاع: المصالحة، عبر استقطاب المجتمعات المنقسمة إلى ممارسة تذكارية مشتركة؛ والاعتراف، عبر الإقرار الرسمي بالضحايا داخل مؤسسات الدولة؛ والتعليم المدني، عبر نقل أسباب النزاع وتبعاته إلى الأجيال اللاحقة.
اتخذت الممارسات التذكارية المشتركة أشكالاً مختلفة في الدول التي شهدت تجارب مماثلة. على سبيل المثال، أوصت لجان الحقيقة في جنوب أفريقيا وغانا وبيرو بإنشاء نصب تذكارية ضمن أطر جبر الضرر. وفي جنوب أفريقيا، عرّفت “لجنة الحقيقة والمصالحة” جبر الضرر الرمزي بأنَّه التدابير التي تيسر العملية الجماعية لتذكر معاناة الماضي، بما يشمل النصب التذكارية، والمعالم، وإعادة تسمية الأماكن العامة.
ومؤدى ذلك أنَّ التعويض المادي، بما في ذلك التعويض المالي واسترداد الممتلكات، يعالج الضرر المباشر، في حين يعالج التعويض المعنوي، بما في ذلك الاعتراف العلني وممارسات إحياء الذكرى، الإصابة الأعمق المتمثلة في محو معاناة الضحايا من الذاكرة العامة. والاثنان متكاملان، ولا ينوب أحدهما عن الآخر.
أما اختيار الياسمين بوصفه الرمز المقترح، فيستند إلى ترابط ثقافي وعاطفي. فقد ارتبطت دمشق تاريخيًّا بالياسمين، ببراعمه البيضاء التي تملأ الباحات والشرفات وأزقة المدينة القديمة، وتتخلل الطقوس الاجتماعية اليومية والتعبير الأدبي. والحجة هنا أنَّ الرمز الوطني للذكرى يستمد ثقله الأخلاقي من عمق جذوره في الذاكرة الجماعية، وأنَّ الياسمين يستوفي هذا المعيار بقوة خاصة في السياق السوري.
وتغدو المقارنة مع تقليد “خشخاش البرية” البريطاني مفيدة، لا من حيث الرمز ذاته، بل من حيث البنية الطقسية والمؤسسية التي تعززه. فما حوّل “الخشخاش” من زهرة في ميدان المعركة إلى شعار وطني دائم هو الطقس المصاحب لها: ففي الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر، يتوقف النشاط المعتاد لأداء دقيقة صمت وطنية. وقد استمرت هذه الممارسة، التي تأسست بتوجيه ملكي عقب الحرب العالمية الأولى، لأكثر من قرن، مدعومة بسلطة الاعتراف الأخلاقي الجماعي لا بالإكراه التشريعي.
وتتبع الطقوس المقترحة لسوريا منطقًا مشابهًا. إذ تؤدى فتُلتزم دقيقة صمت وطنية في ظهيرة 18 آذار/مارس في الأسواق والمدارس والجامعات ودور العبادة، تأكيدًا على أنَّ خسائر النزاع تتجاوز الانقسامات الطائفية. ومع ذلك، يبقى الفعل المركزي هو توزيع الياسمين على عائلات الشهداء والمفقودين. فهذا الترتيب ينطوي على قلب متعمد للإيماءة التذكارية التقليدية: فبدلًا من ارتداء الرمز بوصفه تعبيرًا شخصيًا، يُوجَّه الفعل إلى الخارج، نحو أولئك الذين تحملوا الفقدان.
حيث يقوم قادة المجتمع، ومنظمات المجتمع المدني، والمسؤولون الحكوميون، بتقديم الياسمين مباشرة إلى العائلات المكلومة، ما يحوّل إحياء الذكرى من ممارسة فردية إلى تعبير عن التضامن الجماعي. كما يوضع الياسمين في مواقع النصب التذكارية، والمقابر الجماعية، وبوابات مراكز الاحتجاز السابقة، بما يعيد إدماج مواقع الفظائع في سردية أخلاقية قوامها الاعتراف بالضحايا ومعاناتهم.
ولا يغفل هذا المقترح المخاطر الكامنة في إحياء الذكرى الوطنية، وعلى رأسها الذاكرة الانتقائية: فإذا نُظر إلى الرمز على أنَّه يكرّم ضحايا طرف واحد أو يدين مجرمين مرتكبين بعينهم، تحول إلى أداة سردية متنازع عليها بدلًا من أن يكون التزامًا أخلاقيًّا جامعًا. ومن ثم، فإنَّ المبدأ الذي ينبغي إعلانه بوضوح هو أنَّ الياسمين يجب أن يكرّم جميع ضحايا النزاع، بصرف النظر عن هوية الجاني.
ويتصل الخطر الثاني بالتسلسل المؤسسي؛ إذ إنَّ إحياء الذكرى في مرحلة مبكرة، قبل إحراز تقدم في كشف الحقيقة والمحاسبة، وقبل التحقق الكافي من المقابر الجماعية، قد تختبره العائلات لا بوصفه اعترافًا، بل بوصفه إغلاقًا مبكرًا للملف، وإيحاءً بأنَّ الدولة أدت واجبها فيما لم يبدأ جوهر هذا الواجب إلا للتو. والرد المقترح على ذلك هو تصميم إطار إحياء الذكرى بوصفه ممارسة متطورة تقر صراحة بعدم اكتمالها: ففي مراحلها الأولى، ينبغي أن يؤكد الطقس الالتزام المستمر بالحقيقة والمساءلة، على أن يتعمق مضمونه كلما تقدمت أعمال مؤسسات العدالة الانتقالية.
وأخيرًا، فإنَّ شرعية أي رمز وطني تتوقف على كيفية اعتماده. فمهما بلغت جذور الياسمين الثقافية من عمق، فإنَّ الشرعية الوطنية المستقرة تقتضي مسارًا تشاوريًّا يدمج وجهات نظر المجتمعات عبر المناطق والأديان والخلفيات الاجتماعية المختلفة. إنَّ وضع زهرة في يد عائلة مكلومة هو العلامة المرئية الأولى على أنَّ النظام السياسي الجديد يدرك ما حدث، ويقبل الالتزامات التي تترتب على هذا الاعتراف.






