فضل عبد الغني
تفتح الهجمات الإيرانية على دول الخليج، بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، باباً قانونياً لا يقلّ أهميةً عن البابين العسكري والسياسي. فحين تُصاب مطارات ومحطّات مياه ومنشآت نفطية وأعيان مدنية في دول أعلنت أنّها ليست طرفاً في النزاع، يبرز السؤال: هل يقتصر الأمر على الإدانة السياسية، أم هناك أساس قانوني متين يخوّل هذه الدول المطالبة بجبر الضرر؟
ينتقل الكاتب هنا من مستوى السجال العام إلى مستوى التكييف القانوني الدقيق، بربط الوقائع بحظر استخدام القوة، وقواعد القانون الدولي الإنساني، ومبادئ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ثم يفحص الذرائع التي قد تُثار لتبرير الهجمات، وصولاً إلى العقدة الأصعب: كيف يمكن إنفاذ الحقّ في التعويض أمام التعقيدات القضائية والسياسية القائمة؟
وقد دفعت الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية النزاع الذي تفجّر عقب الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران نحو مرحلة إقليمية أكثر اتساعاً وتعقيداً. وفي ظلّ الأضرار التي لحقت بأعيان مدنية وبنية تحتية حيوية، يبرز هنا سؤال التعويض: هل تملك هذه الدول أساساً للمطالبة بالتعويض بموجب القانون الدولي؟
مبرِّرات إيرانية
تستند المطالبات القانونية التي قد تتقدّم بها دول الخليج طلباً للتعويض من إيران إلى تلاقي مجموعة من القواعد الراسخة في القانون الدولي، وفي مقدّمتها حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وإطار مسؤولية الدولة كما صاغته مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً لعام 2001. ويوفّر استهداف إيران للبنية التحتية المدنية في دول الخليج، بما في ذلك المطارات ومحطّات المياه ومصافي النفط، أساساً قانونياً متيناً للمطالبة بجبر كامل للضرر، يشمل الردّ والتعويض والترضية. ولا تكمن الصعوبة الرئيسة في الأساس الموضوعي للمطالبة، بل في بنيتها الإجرائية، خصوصاً في إثبات الاختصاص القضائي، وإنفاذ أيّ حكم يصدر ضدّ دولة لم تقبل الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية، ويخضع اقتصادها أصلاً لقيود واسعة بفعل العقوبات.
ويندرج السلوك الإيراني ضمن تعريف العدوان الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لعام 1974، الذي يعدّ قصف إقليم دولة أخرى عملاً عدوانياً بموجب المادة 3 (ب) و3 (د). كما تتعارض هذه الهجمات مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني المتعلّقة بالتمييز والتناسب، فضلًا عن قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر العرفية ذات الصلة، لأنَّ المنشآت المستهدَفة كانت تخدم سكّاناً مدنيين في دول ليست أطرافاً في النزاع المسلّح.
وقد طرحت طهران ثلاثة مبرِّرات قانونية، لا يصمد أيّ منها أمام الفحص الدقيق: الأول، التذرّع بالدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من الميثاق، وهو دفع غير قائم قانوناً، لأنَّ حقّ الدفاع عن النفس لا يجيز شنّ هجمات على دولٍ لم تشارك في الهجوم المسلّح المدَّعى به على إيران، سيّما أنَّ دول الخليج أعلنت صراحةً قبل اندلاع الحرب أنَّ أراضيها لن تُستخدم في شنّ ضربات ضدّها.
الثاني، أنَّ استضافة قواعد عسكرية أميركية تسلب الدول الخليجية صفة الحياد أو تحوّلها إلى أطراف مشاركة في الحرب، فهي تتعارض مع أحكام الحياد في اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، التي تحمي الدول التي أعلنت حيادها واتخذت تدابير قابلة للتحقّق لمنع استخدام أراضيها ضدّ دولة محاربة.
المبرِّر الثالث، أنَّ قرار الجمعية العامة رقم 3314 يضفي الشرعية على استهداف تلك القواعد بوصفها أهدافاً عسكرية مشروعة، فهي تقوم على سوء فهم لطبيعة القرار، لأنَّه يعرّف العدوان ولا يحدّد نطاق الأهداف المشروعة في النزاع المسلّح. ويضاف إلى ذلك أنَّ ما تحدّث عنه الرئيس الإيراني من اعتذار إلى الدول المجاورة خلال النزاع فيمكن فهمه بوصفه إقراراً ضمنياً بغياب المبرِّر القانوني للهجمات، قبل أن يناقض هذا الموقف لاحقاً تصريح رئيس السلطة القضائية باستمرار الضربات.
صور جبر الضرر
ويحدّد إطار مسؤولية الدولة، كما صاغته مواد لجنة القانون الدولي، مضمون التعويضات الممكن المطالبة بها. فالمادة 31 تقرّر التزام الدولة المسؤولة بجبر الضرر كاملاً عن الفعل غير المشروع دولياً، بما يشمل صراحة الضررَين المادي والمعنوي. وتبيّن المادة 34 أنَّ صور الجبر ثلاث: الردّ، والتعويض، والترضية. ويظل المعيار الحاكم هو ما قررته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية مصنع تشورزوف، من أنَّ الجبر يجب أن يزيل جميع آثار الفعل غير المشروع وأن يعيد الوضع، قدر الإمكان، إلى ما كان عليه لولا ارتكاب ذلك الفعل. وقد أعادت محكمة العدل الدولية تأكيد هذا المبدأ في قضية الكونغو الديمقراطية ضدّ أوغندا في مرحلة التعويضات، مع إقرارها بأنَّ القدرة المالية للدولة المسؤولة قد تكون عنصراً ذا صلة عند تقدير مقدار التعويض.
ويقتضي الرد، وفق المادة 35، إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الانتهاك. وإذا تعذّر الردّ العيني بالمعنى الحرفي بالنسبة إلى البنية التحتية المدمّرة، فإنَّ الالتزام يمتدّ إلى تمويل إعادة البناء الوظيفي الكامل، ويُعدّ هذا بمثابة ما تشير إليه بعض التطبيقات القضائية أحياناً بصيغة التعويض العيني المحدّد. ويشمل هذا تكاليف إعادة إعمار المطارات ومنشآت الغاز والبنية التحتية النفطية على نحو يعيد إليها قدرتها التشغيلية السابقة. أمّا التعويض، بموجب المادة 36، فيغطّي ما لا يجبره الردّ. وتشمل عناصره تكلفة إعادة البناء المادي، والخسائر الناجمة عن تراجع إنتاج النفط وعائدات التصدير، وهي خسائر يمكن تقديرها بالاستناد إلى معدّلات الإنتاج قبل الهجوم والأسعار السائدة، وكذلك النفقات العسكرية وتكاليف الاستجابة الطارئة خلال الهجمات، فضلاً عن الخسائر التي تكبّدها المستثمرون والمشغّلون من القطاع الخاص في المنشآت المتضرِّرة. كما أنَّ معيار مصنع تشورزوف يقتضي، من حيث المبدأ، تعويض الأرباح الفائتة من تاريخ التدمير إلى حين صدور الحكم متى أمكن إثباتها على نحو كاف. وقد اعتمدت محكمة العدل الدولية في قضية الكونغو ضدّ أوغندا منهجية المبلغ الإجمالي بسبب اتساع نطاق الدمار وصعوبة الإثبات التفصيلي، ومنحت 40 مليون دولار عن أضرار الممتلكات وحدها في سياق أضيق بكثير من السياق محلّ البحث هنا.
أما الترضية، وفق المادة 37، فتتناول الضرر الذي لا يكفي لجبره الردّ أو التعويض المالي وحدهما. ويمكن أن تشمل اعتذاراً رسمياً، وإقراراً صريحاً بوقوع الانتهاك، وتأكيدات وضمانات بعدم التكرار، على النحو المتصل أيضاً بالالتزامات الواردة في المادة 30 بشأن الكفّ عن الفعل غير المشروع وتقديم ضمانات بعدم تكراره حيثما كان ذلك مناسباً. ومن ثم أيّ اعتذار صدر عن الرئيس الإيراني، ثم يتناقض لاحقاً مع استمرار الهجمات، لا يفي بالمتطلّبات القانونية للترضية، التي تستلزم موقفاً رسمياً واضحاً ومؤسّسياً. كما أنَّ الأضرار المعنوية التي تصيب السكان المدنيين، مثل الخوف والنزوح والأذى النفسي، تظلّ قابلة للجبر بموجب المادة 31.
الاختصاص القضائي
التحدي الأهم مسألة الاختصاص القضائي، فإيران لم تصدر إعلاناً بقبول الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية وفق المادة 36 (2) من نظامها الأساسي. وتوجد مسارات بديلة، لكنَّها جميعاً محدودة. فقد تتيح بعض شروط التسوية الواردة في معاهدات ثنائية أو متعدّدة الأطراف، مثل اتفاقات الطيران المدني أو الشؤون البحرية أو العلاقات القنصلية، منافذ قانونية جزئية.
أمّا الاتفاق الخاص بين الأطراف على عرض النزاع على المحكمة، فيبقى ممكناً من الناحية النظرية، لكنَّه يبدو غير واقعي سياسياً في الظروف الراهنة. ومن ثم، الآلية الأجدر عملياً إنشاء لجنة مطالبات خاصّة على غرار لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التي أُنشئت عقب غزو العراق الكويت عام 1990. فقد منحت تلك اللجنة، المنشأة بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، ما يزيد على 52 مليار دولار من التعويضات، وطوّرت منهجيةً عمليةً لتصنيف المطالبات بحسب أنواعها، وتحديد فئات الخسائر، واعتماد قرائن إثباتية ملائمة، وهي عناصر يمكن تكييفها بصورة مباشرة مع حالة دول الخليج. إنَّ صدور قرار بموجب الفصل السابع لإنشاء مثل هذه الآلية، لا سيّما في ظلّ الإدانة الدولية الواسعة هجمات إيران، يمكن أن يوفّر مساراً أكثر فاعلية. كما أن تجميد الأصول الإيرانية أو تخصيصها لتمويل آلية التعويض يمكن أن يسدّ فجوة الإنفاذ التي يعجز الحكم القضائي التقليدي، المعتمد في النهاية على الامتثال الطوعي، عن معالجتها وحده.
من حيث الإثبات، يمكن إدارة عبء الإثبات وفق المعايير التي اعتمدتها محكمة العدل الدولية حديثاً. ولذلك ينبغي لدول الخليج أن تبدأ بتوثيق الأضرار بصورة منهجية، من خلال صور الأقمار الصناعية، والتقييمات الهندسية، وتحليل الإيرادات المفقودة، وبيانات الوفيات والإصابات، بما يضمن تلبية متطلّبات الإثبات أمام أيّ هيئة قضائية أو شبه قضائية مستقبلية، ويعزّز كذلك موقعها في أيّ مفاوضات سياسية أو دبلوماسية. أمّا خيار التسوية بمبلغ إجمالي عبر المفاوضات الثنائية، فعلى الرغم من أنَّه يضحّي بجزء من الدقة القانونية والفردنة الكاملة لعناصر المطالبة، قد يوفّر حلاً عملياً، وقد استُخدم بالفعل في عدة منازعات تعويض تاريخية بين الدول.
آلية توثيق مشتركة
الأساس الموضوعي لمطالبات دول الخليج بالتعويض من إيران لا يواجه عقبةً جديةً على مستوى التكييف القانوني. فالمطالبة مستندة إلى حظر استخدام القوة، وحماية الأعيان المدنية في القانون الدولي الإنساني العرفي، وقواعد مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً. ويبقى الإشكال الحقيقي في الوسيلة المؤسّسية للفصل في هذه المطالبات وإنفاذها في مواجهة دولة ترفض الخضوع للاختصاص القضائي الإلزامي. وفي هذا السياق، يبدو إنشاء لجنة مطالبات خاصّة بتفويض من مجلس الأمن، مستلهَمةً من سابقة لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، هو المسار الأكثر ملاءمة، وإن كان مرهوناً بتوافق سياسي في مجلس الأمن قد يعرقله حقّ النقض (فيتو).
لا ينبغي لانتظار هذا التوافق أن يعطّل الخطوات التحضيرية. فعلى دول الخليج أن تبادر إلى إنشاء آلية توثيق مشتركة تجمع الأدلة وتصنّفها وفق معايير مقبولة قضائياً، لأنّ تأخّر التوثيق يُضعف القيمة الإثباتية للأدلة ويُعقّد أي مطالبة لاحقة. كما ينبغي لها استكشاف المنافذ القضائية الجزئية المتاحة عبر شروط تسوية النزاعات في معاهدات متعدّدة الأطراف تكون إيران طرفاً فيها، وربط ملفّ التعويضات بمسار العقوبات بحيث يُدرج تخصيص الأصول الإيرانية المجمّدة ضمن شروط أيّ تخفيف مستقبلي لها. إن بناء ملف قانوني وتوثيقي متكامل منذ الآن هو ما يحوّل الحقّ القانوني من حجّة نظرية إلى موقف تفاوضي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب إقليمي مقبل.






