فضل عبد الغني
أدى تبادل الضربات على البنية التحتية للطاقة بين إيران ودول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة إلى إثارة سؤال طالما أثار جدلاً بين فقهاء القانون الدولي: ما الشروط، إن وجدت، التي يجيز بموجبها القانون الدولي الإنساني استهداف محطات توليد الطاقة ومصافي النفط وشبكات الكهرباء؟ والإجابة أشد تقييداً بكثير مما توحي به ممارسات الدول، إذ يفرض الإطار القانوني الناظم لهذه الهجمات قيوداً تراكمية يتعين على جميع الأطراف المتحاربة التعامل معها بجدية كاملة.
تنطلق هذه المسألة من المادة 52(2) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تُعرّف الأهداف العسكرية بأنها الأشياء التي تُسهم، بطبيعتها، أو موقعها، أو غرضها، أو استخدامها، إسهامًا فعّالًا في العمل العسكري، ويحقق تدميرها ميزة عسكرية واضحة. ويجب استيفاء الشرطين معًا.
فالبنية التحتية للطاقة ليست محصنةً تمامًا من الهجوم، لكنها في الوقت ذاته ليست هدفًا مفترضًا. وقد نصّت مسودة قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 1956 على أن منشآت الطاقة لا تُعدّ أهدافًا عسكرية إلا إذا كانت تزوّد الاستهلاك العسكري بالطاقة «بشكل رئيسي»، وهو معيار يركز على الوظيفة الأساسية لا الثانوية. أما وصف «الاستخدام المزدوج»، الذي يُستشهد به كثيرًا لتبرير الضربات على شبكات الطاقة، فلا يحوّل البنية التحتية المدنية بذاته إلى هدف مشروع، بل لا بد من إثبات المساهمة العسكرية على نحو مستقل.
ويُشكّل هذا التحليل موضع خلاف كبير. فدليل قانون الحرب الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية يعامل الأهداف «الداعمة للحرب»، بما في ذلك صادرات الطاقة التي تموّل المجهود الحربي، باعتبارها أهدافًا عسكرية مشروعة. غير أن غالبية الدول وكثيرًا من علماء القانون الدولي الإنساني رفضوا هذا الموقف.
وتنبع أهمية هذا التمييز من أثره العملي المباشر: فإذا اعتُبرت مصادر عائدات الطاقة أهدافًا مشروعة، أمكن مهاجمة أي منشأة نفطية في الخليج أو إيران على هذا الأساس. أما إذا ساد التفسير الأكثر صرامة، فيتعين على المهاجم إثبات أن المنشأة المحددة تسهم إسهامًا فعّالًا ومباشرًا في العمليات العسكرية، لا في القدرة الاقتصادية العامة.
وتثير المنشآت النووية مجموعة متميزة من الإشكالات القانونية؛ فالمادة 56(1) من البروتوكول الإضافي الأول تقرر حماية مطلقة لمحطات توليد الطاقة الكهربائية النووية، وتحظر مهاجمتها حتى إذا اعتُبرت المنشأة هدفًا عسكريًا، متى كان الهجوم ينذر بإطلاق قوى خطرة والتسبب بخسائر فادحة في صفوف المدنيين.
أما منشآت التخصيب والبحث الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان فهي ليست محطات توليد طاقة كهربائية نووية، ومن ثم لا تنطبق عليها المادة 56 بالكيفية نفسها. بل يخضع استهدافها لتحليل الهدف العسكري العام المنصوص عليه في المادة 52(2)، ولقاعدة التناسب، ولاعتبارات منفصلة في إطار نظام عدم الانتشار وقانون الحرب.
وحتى في الحالات التي يُصنَّف فيها الهدف هدفًا عسكريًا، فإن قاعدة التناسب، المنصوص عليها في البروتوكول الإضافي الأول، تحظر الهجمات التي يكون فيها الضرر المدني العرضي المتوقع مفرطًا قياسًا إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ويقتضي الإطار السائد أن تراعي تقديرات التناسب الآثار الارتدادية، مثل فقدان التدفئة في الشتاء، وتعطل أنظمة ضخ المياه، وانقطاع الكهرباء عن المستشفيات.
وتعزز المادة 54(2) من البروتوكول الإضافي الأول هذا القيد من خلال حظر تدمير الأشياء الضرورية لبقاء المدنيين. ورغم أن البنية التحتية للكهرباء لم تُذكر صراحة، فإن هذا الحظر يُفعّل بصورة غير مباشرة عندما يؤدي انقطاع التيار الكهربائي مباشرةً إلى جفاف جماعي أو مجاعة أو وفاة مدنيين، كما حدث عندما دمّرت غارات التحالف شبكة الكهرباء العراقية عام 1991، مما أدى إلى تعطيل أنظمة معالجة المياه والصرف الصحي في أنحاء البلاد كافة.
وقد اختبرت الممارسات الدولية هذه الحدود مرارًا. ففي حرب الخليج عام 1991، وحرب كوسوفو عام 1999، والهجمات الروسية المنهجية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا منذ عام 2022، ارتبطت جميعها بجدل قانوني واسع. وقد أكد عدد من فقهاء القانون أن تصنيف الاستخدام المزدوج لا يجيز استبعاد الإسهامات المدنية من تحليل عملية الاستهداف لمجرد تصنيف المنشآت أهدافًا عسكرية. كما دعت المجلة الدولية للصليب الأحمر إلى إعداد قوائم بالأهداف المحظورة أو المقيدة، والمحافظة عليها، بوصفها ضمانات عملياتية.
وثمة ثغرة أخرى تُضعف الإطار الحمائي، إذ إن البروتوكول الإضافي الثاني، في النزاعات المسلحة غير الدولية، لا يتضمن ما يعادل الحماية القطعية للمنشآت النووية المنصوص عليها في المادة 56. ويسهم القانون الدولي الإنساني العرفي في سد جزء من هذا النقص، غير أن الحماية القطعية القائمة على المعاهدات لمحطات الطاقة النووية تظل مقصورة على النزاعات المسلحة الدولية بين الدول الأطراف في البروتوكول الإضافي الأول.
وفي مجمله، يفرض الإطار القانوني قيودًا ملزمة وجوهرية على الهجمات ضد البنية التحتية للطاقة. فحدود تعريف الهدف العسكري، وشرط التناسب بما يشمله من آثار مترتبة، والحماية المطلقة لمحطات الطاقة النووية، والالتزامات الاحترازية بموجب المادة 57، كلها تقيد مجتمعة النطاق القانوني لهذه العمليات بدرجة تفوق كثيرًا ما يوحي به التذرع الروتيني بمفهوم الاستخدام المزدوج.
ويكشف التوتر العقائدي المستمر بين النهج التوسعي الداعم للحرب والتفسير الأكثر صرامة الذي تتبناه معظم الدول واللجنة الدولية للصليب الأحمر عن خلل في تطبيق القانون على الحرب الصناعية الحديثة، وهو خلل تختبره اليوم، على أرض الواقع، الأعمال العدائية الجارية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.






