تكشف دراسة أعدّها فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، عن تعرّض المساعدات الإنسانية في سوريا لاستغلال ممنهج، سواء عبر عرقلتها وتحويلها من قبل النظام، أو عبر الاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي، ما قيّد عمليات الإغاثة العابرة للحدود وأضعف قدرة المدنيين على البقاء.
وتؤكد الدراسة أن إيصال المساعدات ليس خياراً سياسياً، بل التزام قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تلزم بتقديم إغاثة سريعة ومحايدة ودون عوائق. وفي هذا السياق، شكّل القرار 2165 لعام 2014، الصادر بموجب الفصل السابع، أساساً قانونياً لإدخال المساعدات عبر الحدود دون موافقة دمشق، استجابةً لحاجة إنسانية ملحّة.
غير أن استخدام الفيتو الروسي–الصيني منذ عام 2019 أدى إلى تقليص المعابر الإنسانية وإغلاق عدد منها، وصولاً إلى إنهاء تفويض إدخال المساعدات عبر باب الهوى في تموز/يوليو 2023، ما خلّف فجوات حادة في الغذاء والدواء وحملات التلقيح، وأثر بشكل خاص على النساء والأطفال والنازحين في شمالي البلاد.
يقول فضل عبد الغني لسوريا 24 إن ما جرى في سوريا يمثل نمطاً ممنهجاً من “تسليح المساعدات”، حيث تحوّلت الإغاثة من حق إنساني إلى أداة للسيطرة السياسية. ويستند ذلك إلى أدلة قانونية ومؤسسية، أبرزها توثيق تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية استمرار عرقلة وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجاً، إلى جانب تحويل جزء منها أو سرقته وتوجيهه نحو مناطق موالية، مع إهمال متعمد لمناطق أخرى.
ويشير إلى أن إغلاق المعابر الإنسانية بفعل الفيتو والتفاهمات السياسية عزّز من تحكّم النظام بمسارات المساعدات، عبر فرض قنوات تمر من دمشق، ما أتاح له التدخل في اختيار الشركاء وتحديد المستفيدين. كما لعبت منظمات وسيطة خاضعة لنفوذه دوراً في إعادة توجيه الإغاثة، في ظل غياب الاستقلالية، بالتوازي مع توظيف ملف “الإنعاش المبكر” لإعادة توجيه الموارد تدريجياً نحو مناطق سيطرته.
وللحد من هذه الممارسات، يشدد عبد الغني على ضرورة تحصين العمل الإنساني عبر الإبقاء على آليات المساعدات العابرة للحدود، وتعزيز الشفافية والرقابة المستقلة، وربط التمويل الدولي بضمانات واضحة تضمن وصول المساعدات مباشرة إلى المستحقين، ومنع تدخل أي أطراف سياسية أو أمنية في توزيعها.
وفي ما يتعلق بالفيتو، يوضح أن استخدامه منذ عام 2019 ساهم في تقليص المساعدات ورفع كلفة الوصول إلى المدنيين، لكنه لا يلغي الأساس القانوني لإيصال الإغاثة. إذ يتيح القانون الدولي الإنساني استمرار المساعدات عبر الحدود استناداً إلى مبدأ الضرورة، مع إمكانية تفعيل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجاوز شلل مجلس الأمن الدولي. كما يؤكد أن عرقلة المساعدات قد ترقى إلى جريمة حرب، ما يستوجب المساءلة، حتى وإن بقيت محاسبة الدول المستخدمة للفيتو معقدة وتقتصر غالباً على المساءلة السياسية والأخلاقية.
وعلى مستوى الداخل، توثق الدراسة تحكّم السلطات في توزيع المساعدات عبر فرض قيود على الشركاء وقوائم المستفيدين، وتحويل جزء منها إلى جهات موالية، ما أدى إلى تسييس العمل الإغاثي وتقويض مبدأي الحياد وعدم التحيّز.
وترى الدراسة أن عرقلة المساعدات المنقذة للحياة لا يمكن تبريرها بذريعة السيادة، وقد ترقى إلى جريمة حرب، خصوصاً عندما تُستخدم أدوات سياسية دولية، مثل الفيتو، بشكل يؤدي إلى حرمان واسع النطاق ومتوقع. كما يشير التقرير إلى أن هذا النمط أسهم في إضعاف دور مجلس الأمن وتآكل الثقة بآليات العمل الجماعي الدولي.
وتخلص الدراسة إلى أن إيصال المساعدات واجب ملزم لا امتياز، وأنه في حال عجز الدولة أو تورطها في حرمان المدنيين، يصبح العمل عبر الحدود مشروعاً قانوناً استناداً إلى مبدأ الضرورة الإنسانية. كما تؤكد ضرورة مساءلة كل من يعرقل أو يسيّس المساعدات، واعتبار ذلك جريمة دولية تستوجب الملاحقة.
وتوصي الدراسة بالحفاظ على آليات الإغاثة العابرة للحدود وتوسيعها، وتفعيل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجاوز شلل مجلس الأمن، إلى جانب الدفع نحو تقييد استخدام الفيتو في حالات الفظائع الجماعية، وإنشاء صندوق إنساني مستقل خاضع لرقابة صارمة، وملاحقة المسؤولين عن تحويل المساعدات أو عرقلتها عمداً.






