مئات المقابر وآلاف المصائر المجهولة
مع سقوط نظام الأسد، كانت التقديرات تشير إلى وجود 66 مقبرة جماعية في سوريا، لكن اكتشاف المقابر لا يزال متواصلًا، وهو ملف شائك يتجاوز استخراج الرفات إلى تحديد هويات الضحايا وكشف مصير المفقودين والمختفين قسرًا، الذين تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان عددهم بأكثر من 177 ألف شخص منذ عام 2011، فيما يصل العدد إلى نحو 300 ألف مفقود على مدى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد.
ويرجح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن يكون عدد المقابر الجماعية أكبر بكثير من التقديرات المعلنة، وقد يصل إلى مئات المقابر، بالنظر إلى سنوات من الاعتقالات والقتل تحت التعذيب، وعدم الكشف عن مصير آلاف المعتقلين والمفقودين، إضافة إلى إرث أحداث حماة، حيث ظل مصير كثير من الضحايا مجهولًا.
وتواجه سوريا، وفق عبد الغني، معضلة في التعامل مع الأعداد الكبيرة من الأشخاص المدفونين في المقابر الجماعية، في ظل ما تعرضت له بعض هذه المواقع من نقل وتجريف وخلط وعبث، إلى جانب تعدد القوى التي سيطرت على مناطق مختلفة خلال سنوات الثورة.
ويضع عبد الغني الحفاظ على المقابر الجماعية وعدم تخريبها في مقدمة الأولويات، مع ضرورة توعية المجتمع بأهمية حمايتها، بما في ذلك المقابر التي تظهر في أماكن عامة كالحدائق، مشيرًا إلى أن المضي في ملف المفقودين يحتاج إلى دعم كبير، تقدر كلفته بمئات ملايين الدولارات، لتوفير التقنيات والكوادر والخبرات والمعدات، في ظل عدم وجود إمكانات كافية لحماية جميع المقابر.
ويؤكد عبد الغني أن المقبرة الجماعية، بمجرد اكتشافها، تُعامل على أنها مسرح جريمة، ما يستدعي حمايتها وتحصينها وتنظيم الدخول والخروج إليها قبل البدء بأي أعمال. ولا تقتصر العملية، بحسبه، على استخراج الجثث أو الرفات، إنما تتطلب سلسلة من الإجراءات تشمل توحيد البيانات وتحديد الهويات، وصولًا إلى بناء ملف متكامل يساعد في معرفة مصير المفقودين.
كيف تُحمى الرفات؟
يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني على ضرورة وقف الأعمال فورًا في الجزء المتأثر، وتأمين الموقع، ومنع تحريك الرفات أو المتعلقات المحيطة بها إلى حين وصول الجهة المختصة وإجراء تقييم أولي. ولا يعني ذلك بالضرورة وقف المشروع بأكمله أو تعطيله إلى أجل غير محدد، وإنما عزل المساحة التي يُحتمل أن تحتوي على رفات أو أدلة إلى أن تتضح طبيعة الموقع وحدوده.
ويقول عبد الغني لـ”نون بوست” إن النقطة الأساسية تتمثل في أن الرفات لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد عظام ينبغي نقلها لإفساح المجال أمام المشروع، فقد يكون الموقع مرتبطًا بمفقودين أو مختفين قسرًا، وقد يشكل أيضًا مسرحًا لجريمة قتل أو تعذيب أو إعدام خارج نطاق القضاء.
لذلك، لا تكمن القيمة الإثباتية في الرفات وحدها، بل تشمل أيضًا موضعها، وعمق الدفن، وعلاقتها بالرفات الأخرى، والملابس، والمتعلقات الشخصية، والمقذوفات، والقيود، وطبقات التربة، وقد يؤدي تحريك هذه العناصر عشوائيًا إلى فقدان معلومات لا يمكن استعادتها لاحقًا، حتى إذا أمكن تحديد هوية الضحية بواسطة الحمض النووي، وفق عبد الغني.
بين استمرار الإعمار وحماية الأدلة
ويشير إلى أن هذا هو المنطق الذي يقوم عليه بروتوكول “مينيسوتا” لعام 2016 بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، إذ يشدد على اعتماد منهج جنائي وأثري منظم عند استخراج الرفات، وعلى توثيق موقعها والعلاقة بينها وبين الأدلة المحيطة بها. كما تحدد إرشادات اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) للاستجابة الأولى في مواقع الدفن أربعة عناصر أساسية هي، حماية الموقع، وتسجيل موقعه، وتوثيقه، وإبلاغ السلطات المختصة. وتوصي كذلك بأن تتجاوز المنطقة المحمية الحدود الظاهرة للرفات، لأن نطاق الدفن الفعلي قد يكون أوسع مما يظهر أثناء الحفر الأولي.
وبناءً على ذلك، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنه في حال اصطدمت جرافة برفات أثناء العمل، ينبغي إيقافها وتوثيق موضع ظهور الرفات قبل أي تدخل إضافي، وإذا كانت الجرافة قد نقلت بالفعل تربة من الموقع، فلا ينبغي التخلص من تلك التربة، لأن أجزاءً من الرفات أو المتعلقات أو الأدلة قد تكون انتقلت معها.
كذلك لا يجوز للعمال، أو للمقاول جمع العظام أو غسلها أو وضعها في أكياس أو نقلها إلى مكان آخر، وينبغي إبلاغ الهيئة الوطنية للمفقودين والجهات القضائية والطب الشرعي، بحسب طبيعة الحالة، بحيث يتولى التقييم مختصون في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا والآثار الجنائية.
بعد ذلك، يجب تحديد نطاق الموقع قبل اتخاذ قرار بشأن الاستخراج، وقد تُستخدم وسائل غير تدخلية أو تقنيات مسح مختلفة عندما تكون ملائمة، لكن لا توجد قاعدة دولية تجعل استخدام وسيلة تقنية بعينها، مثل المسح الجيوفيزيائي، إلزاميًا في جميع الحالات.
ويشير إلى أن المبدأ هو اختيار الوسيلة التي تحافظ على الأدلة وتحد من التدخل في الموقع إلى أدنى قدر ممكن، وإذا أمكن استمرار المشروع في أجزاء أخرى، أو تعديل تسلسل الأعمال أو مسارها مؤقتًا، فإن ذلك يكون أفضل من اللجوء إلى استخراج متسرع. أما إذا كان بقاء الرفات في مكانها يعرضها لخطر وشيك من التلف أو التدمير، فقد يصبح التدخل العاجل ضروريًا، على أن يتخذ المختصون هذا القرار، لا المقاول أو الجهة المستفيدة من المشروع.
ويلفت إلى أن هذه المسألة ليست هامشية في سوريا، فوفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى حزيران/يونيو 2026، لا يزال 177,021 شخصًا على الأقل في عداد المختفين قسرًا. ولذلك، يعتقد أن سوريا تحتاج إلى بروتوكول وطني ملزم للتعامل مع حالات الاكتشاف العرضي للرفات، يكون جزءًا من قواعد التخطيط العمراني وعقود المقاولات. فالإعمار يجب أن يستمر، لكن لا يجوز أن تكون سرعة التنفيذ مبررًا لتدمير موقع قد يمثل الفرصة الأخيرة لعائلة لمعرفة مصير مفقودها، وللقضاء لإثبات الجريمة وتحديد المسؤولية عنها.






