يقدّم كتاب «استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في النزاع المسلح غير الدولي وعجز المجتمع الدولي عن منع تكرار استخدامها» قراءةً قانونيةً وتحليليةً معمّقة لواحدةٍ من أخطر ظواهر النزاع السوري: الاستخدام المتكرر والمنهجي للأسلحة الكيميائية بوصفه تحديًا مباشرًا لحظرٍ دولي يُفترض أنَّه من أكثر المحظورات رسوخًا في القانون الدولي الحديث.
ينطلق المؤلف فضل عبد الغني من خلفية بحثية أكاديمية؛ إذ كُتبت هذه الدراسة أساسًا خلال عامي 2018–2019 ضمن متطلبات درجة الماجستير في القانون الدولي، وقد نالها الكاتب في آذار/مارس 2020، ثم صيغت في كتاب صادر عن دار الفكر في سوريا بما يتيح نقلها من نطاق الأطروحة إلى فضاء النقاش العام والحقوقي. وتزداد أهمية العمل بكونه يسعى إلى تفسير “كيف” و”لماذا” فشل النظام الدولي في ردع الانتهاك أو منعه من التكرار، رغم وفرة الأدلة وتعدد آليات التحقيق.
يمتاز الكتاب بوجود تقديم يضع موضوع الأسلحة الكيميائية ضمن سياق أوسع من الانتهاكات، مع إبراز المفارقة التي حكمت الاستجابة الدولية: تركيزٌ عالميٌّ كثيف على السلاح الكيميائي بوصفه “سلاح دمار شامل” وذا أثر رمزي صادم، مقابل قصورٍ أكبر في التعامل مع أشكال القتل الواسع بالأسلحة التقليدية. كما يسلّط التقديم الضوء على الطبيعة “الخبيثة” لهذه الأسلحة، ولا سيما في البيئات المغلقة (كالأقبية) حيث تتضاعف قابلية إيقاع الضرر بالمدنيين، وبالأخص الأطفال. ويأتي التقديم ممهورًا باسم كينيث روث، بما يمنح الكتاب بعدًا توثيقيًا وحقوقيًا إضافيًا.
على المستوى المنهجي، يعتمد المؤلف مقاربة مركبة تجمع بين المنهج الوصفي لاستعراض القواعد والتقارير والقرارات الدولية ذات الصلة، والمنهج التاريخي لتتبع تسلسل الأحداث كما وقعت، والمنهج التحليلي لقراءة التفاعل بين التحقيقات والقرارات والسياقات السياسية عبر الزمن. ويحدّد الكتاب نطاقه الزمني بوضوح ضمن الفترة الممتدة من آذار/مارس 2011 حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2019، وهي سنوات شهدت كثافةً عالية في الوقائع وتداعياتٍ متشابكة على المستويات القانونية والسياسية.
أما من حيث الإشكالية البحثية، فيتمحور السؤال الرئيس حول: لماذا فشل المجتمع الدولي ومجلس الأمن في ردع النظام السوري عن تكرار استخدام الأسلحة الكيميائية، رغم القرارات والتقارير التي أثبتت التورط؟ ويتفرع عنه أسئلة تمس مصداقية مجلس الأمن، وإمكان استنساخ “نموذج الحماية” عبر استثمار حق النقض، والحاجة إلى آليات ردع وحماية مدنيين أكثر فاعلية.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسة وخاتمة:
- الفصل الأول يوثق ويحلل كيف أسهمت التحقيقات الأممية والدولية والمحلية في إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية، مع تفكيك أدوار الأمم المتحدة وآلياتها، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتطور أدوات التحقق والإسناد.
- الفصل الثاني يناقش أثر التقاعس الدولي في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، عبر تتبع محطات مفصلية كبرى وتقسيمها زمنيًا بما يتيح فهم التحولات في الاستجابة الدولية وتداعياتها على تكرار الجريمة.
- الفصل الثالث يقدم نقدًا بنيويًا لكيفية إفراغ القانون الدولي من محتواه عندما يُشل مجلس الأمن، ويطرح توصيات عملية لتعزيز الردع وآليات الحماية والمساءلة.
بهذا المعنى، يقدّم الكتاب سردًا توثيقيًا وخلاصة قانونية-سياسية عن اختبارٍ قاسٍ تعرّض له نظام حظر الأسلحة الكيميائية، وعن حدود المنظومة الدولية حين تتغلب اعتبارات القوة والسياسة على مقتضيات القانون والعدالة. وهو موجّه للباحثين والحقوقيين وصنّاع السياسات، ولكل من يسعى إلى فهمٍ مُحكم لكيفية تفاعل قواعد حظر أسلحة الدمار الشامل مع آليات التحقيق الدولية ومعادلات مجلس الأمن، وما الذي يلزم لضمان ألا يتحول الحظر إلى نصٍ بلا فعالية.


