فضل عبدالغني
يمثل انتقال السيطرة على مرافق الاحتجاز التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية إلى الحكومة السورية الحالية منعطفاً في مسار محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة داخل هذه المرافق. فبدلاً من أن يؤدي هذا الانتقال إلى إعفاء الدولة من التزاماتها التحقيقية، فإنه ينشئ مسؤولية قانونية مباشرة تتمثل في حماية الأدلة وصونها، وضمان عدم إفلات أي مشتبه به من المساءلة.
وقد وُثّقت هذه المرافق، الواقعة في منطقة الجزيرة السورية، بوصفها أماكن شهدت حالات اختفاء قسري وتعذيب ووفاة في سياقات احتجاز، وهي تحتوي على أدلة جوهرية لأي إجراءات مساءلة جنائية مستقبلية. فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما زال لدى قوات سوريا الديمقراطية ما لا يقل عن 3705 مختفٍ قسرياً، كما قتلت 122 شخصاً تحت التعذيب منذ تأسيسها حتى الآن.
ويُعد مبدأ وراثة السلطة لواجب التحقيق في الانتهاكات السابقة وحفظ الأدلة مبدأً راسخاً في القانون الدولي؛ فعندما تنتقل السيطرة على مرافق احتجاز من سلطة إلى أخرى، تتحمل الجهة المستلمة مسؤولية قانونية مباشرة عن حماية سلامة مسارح الجريمة المحتملة وضمان فاعلية آليات المساءلة.
وبموجب القانون الدولي، تلتزم السلطات السورية الحالية بالتحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير قانونية، وفي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الواقعة داخل أراضيها أو ضمن نطاق ولايتها القضائية. ويمتد هذا الالتزام ليشمل مرافق كانت سابقاً تحت سيطرة جهات فاعلة غير حكومية، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية، ويغطي جميع الأدلة المتوافرة في تلك المواقع.
يوفر بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير قانونية توجيهات مرجعية لطبيعة هذه الالتزامات، إذ يؤكد وجوب أن تكون التحقيقات سريعة وفعّالة وشاملة، ومستقلة، ونزيهة، وشفافة. وتبرز قوة هذه المتطلبات على نحو خاص في سياق مرافق الاحتجاز التي ثبتت فيها أنماط من الوفاة وسوء المعاملة. وعلى نحو مكمل، يقرر بروتوكول إسطنبول وجوب معاملة مرافق الاحتجاز التي وقعت فيها وقائع تعذيب أو سوء معاملة باعتبارها مسارح جريمة، مع إلزام خبراء الطب الشرعي بحماية سلسلة الحيازة لجميع فئات الأدلة، بما في ذلك الإفادات، والأدلة المادية، والأدلة الطبية والقانونية، والأدلة الرقمية.
وتؤكد مجموعة من الصكوك الدولية التزامات محددة تتعلق بصون الأدلة في مرافق الاحتجاز التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. إذ تُلزم الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الدول بالاحتفاظ بسجلات دقيقة، وبالبحث عن المفقودين وتحديد أماكن وجودهم والتعرف عليهم. وبالنظر إلى أنماط الاختفاء القسري الموثقة في تلك المرافق، تقع هذه الالتزامات على عاتق الحكومة السورية بصفتها السلطة القائمة حالياً على تلك المواقع.
ولا تقتصر متطلبات الاتفاقية على حفظ السجلات، بل تشمل اتخاذ تدابير فعّالة لتحديد مصير وأماكن وجود الأشخاص الذين تعرضوا للاحتجاز دون اعتراف، بما يضمن إمكان تتبع مسارات التوقيف والنقل والاحتجاز، وكشف أماكن الدفن أو الاحتجاز غير المعلنة عند الاقتضاء.
وفي هذا السياق، تشكل المواد الإثباتية الموجودة في مرافق مثل سجن الأقطان ومخيم الهول، بما في ذلك السجلات الإدارية وملفات المحتجزين، وتكوينات أماكن الاحتجاز، وأدوات التقييد أو التعذيب، والعينات البيولوجية المحتملة، والأنظمة الرقمية، وأي مواقع دفن مرتبطة، أدلة حاسمة في أي ملاحقات محتملة أمام المحاكم السورية أو أمام ولايات قضائية أجنبية في إطار الولاية القضائية العالمية، فضلاً عن إمكان توظيفها في مسارات تقصي الحقيقة وتحديد هوية الضحايا.
تكتسب الجوانب العملية لصون الأدلة أهمية بالغة، لأن أي خلل إجرائي في جمع الأدلة أو حفظها أو توثيقها قد يفضي إلى التشكيك في مصداقيتها أو إلى استبعادها لاحقاً، بصرف النظر عن جسامة الانتهاكات. ويترتب على ذلك مساس مباشر بحقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر. وتُظهر تجربة إعادة فتح مرافق احتجاز بعد ديسمبر/كانون الأول 2024 كيف يمكن أن تُفقد أدلة بصورة لا رجعة فيها في غياب ضمانات فورية وقواعد دخول واضحة.
وتتعدد مصادر التهديد التي تطال سلامة الأدلة وقابليتها للاعتماد، بما يشمل التدمير المتعمد من قبل الجناة، ودخول العائلات دون ضبط بحثاً عن معلومات عن أقاربهم المفقودين، وإزالة الوثائق من قبل صحفيين أو باحثين. وعليه، يتعين على الحكومة السورية نشر أفراد أمن مدربين لتأسيس نطاقات حماية مادية، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة تتطلب تصاريح كتابية وسجلات دخول وخروج كاملة، ومنع أي إزالة أو نقل أو إتلاف لمحتويات المواقع، إلى حين قيام فرق مختصة بتوثيقها وفق المعايير المهنية.
أما الأدلة الرقمية، بما في ذلك أنظمة المراقبة وملفات الحواسيب والاتصالات الإلكترونية، فتستلزم تصويراً جنائياً فورياً باستخدام تقنيات الحماية من الكتابة لمنع أي تعديل عرضي، إلى جانب احتساب قيم التجزئة المشفرة للتحقق من سلامة البيانات ومنع العبث بها. ويجب إنشاء سلسلة حيازة منذ اللحظة الأولى لجمع الأدلة، مع توثيق دقيق لكل عملية استلام، أو نقل، أو إيداع، أو فحص، بما يضمن استيفاء الأدلة لمتطلبات القبول في الإجراءات الوطنية والدولية.
تستمد الحكومة السورية مسؤوليتها عن صون مسارح الجريمة في مرافق احتجاز قوات سوريا الديمقراطية السابقة من المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تحكم التزامات الدول بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولا ينتقص انتقال السيطرة على هذه المرافق من واجب ضمان المساءلة، بل ينقل هذا الواجب مباشرة إلى السلطة المستلمة بوصفها الجهة صاحبة الولاية الفعلية على المواقع وما تحتويه من أدلة. وتؤكد الأطر المعيارية التي تقدمها بروتوكولات مينيسوتا وإسطنبول، إلى جانب الالتزامات ذات الصلة المنبثقة عن الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومعايير التعاون وحفظ الأدلة، وجوب التعامل مع مرافق الاحتجاز باعتبارها مسارح جريمة تتطلب حفظاً احترافياً ومنهجياً لجميع الأدلة.
وإذا ما حُميت الأدلة الموجودة في هذه المرافق وعولجت وفق معايير مهنية دقيقة، فإنها قد تفي بمتطلبات المساءلة الجنائية وتقصي الحقيقة وتحديد هوية الضحايا، ولا سيما ضحايا الاختفاء القسري الممتد لسنوات. وفي المقابل، فإن فقدان الأدلة بفعل التلف أو التلوث أو العبث يمثل خسارة لا يمكن تعويضها، ليس فقط على مستوى الملاحقات الفردية، بل أيضاً على مستوى بناء سجل تاريخي موثوق للانتهاكات المرتكبة بحق السوريين.





