تنظيم التظاهر وتحدياته
ومن الناحية الحقوقية، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن هذا التوجيه هو المحاولة الأولى من حكومة سوريّة لتنظيم الحق في التجمع السلمي عبر أداة قانونية تعترف به حقاً مستمداً من الإعلان الدستوري، معتبراً أن ذلك يمثل تحولاً هيكلياً مقارنة بالمراحل السابقة التي اتسمت بغياب شبه كامل لأي قناة قانونية لتنظيم التظاهر، حيث كان التعامل مع أي تجمع عام، في ظل قانون الطوارئ والممارسات الأمنية اللاحقة، يتم بوصفه مسألة أمن دولة.
وأوضح أن التوجيه وضع عناصر إجرائية لم تكن موجودة سابقاً بهذا الشكل، من بينها تحديد جدول زمني لقرارات الترخيص، واعتماد مبدأ الموافقة الضمنية عبر الصمت الإداري، وإتاحة الحق في الطعن القضائي، إضافة إلى التزام الدولة بتوفير الحماية للتجمعات المرخصة، مشيراً إلى أن هذه العناصر ينبغي تقييمها في ضوء السياق السابق، حيث لم تكن هناك آليات قانونية واضحة تتيح تنظيم التظاهر أو حمايته، ما يجعل التوجيه خطوة ذات مغزى في هذا الاتجاه.
وفي ما يتعلق بالتوازن بين حرية التجمع ومتطلبات الأمن والنظام العام، أشار إلى أن اهتمام التوجيه بالنظام العام في السياق السوري “ليس أمراً غير معقول”، في ظل وجود تحديات أمنية حقيقية تشمل فلول النظام المخلوع ونزاعات محلية لم تُحل ومخاطر عمليات انتقامية، لافتاً إلى أن مستوى معيناً من التنظيم قد يؤدي وظيفة حمائية مشروعة في هذه المرحلة، سواء للمتظاهرين أو للجمهور.
وأكد أن حظر حمل السلاح أثناء التظاهرات يتوافق مع المعايير الدولية، كما أن التزام وزارة الداخلية بتوفير الحماية يعكس فهماً، من حيث المبدأ، لدور الدولة الذي لا يقتصر على ضبط التجمعات، بل يشمل أيضاً تسهيلها وضمان سلامتها.
وفي المقابل، أشار إلى أن بعض الصياغات الواردة في التعميم، مثل الإخلال بالنظام العام أو إعاقة السلطات عن أداء مهامها، “تفتقر إلى عتبات ومعايير محددة”، ما يستدعي توضيحها بشكل أدق لتفادي التوسع في تفسيرها، مع التأكيد على ضرورة اعتماد استجابة متدرجة قبل اللجوء إلى فض التظاهرات، وترسيخ مبدأ أن الفض يجب أن يكون الملاذ الأخير وليس الإجراء الأول عند حدوث أي تجاوز.
وفي ما يتعلق بالتحديات المرتبطة بتطبيق التعميم عملياً، قال عبد الغني إن هذه التحديات “جسيمة وترتبط مباشرة بالظروف الانتقالية في سوريا” مشيراً إلى أن أول هذه التحديات يتمثل في “التفاوت المؤسسي”، و”غياب المعايير المحددة لعمل اللجنة المختصة”، وأيضاً “الافتقار إلى إطار واضح ينظم استخدام القوة”، موضحاً أن التعميم يخول الوزارة طلب إنهاء التجمع، وفي حال عدم التزام لجنة التنظيم يمكن فضه مباشرة، “من دون تقديم معايير واضحة حول كيفية تنفيذ ذلك أو مستوى القوة المسموح به أو نوع المساءلة التي تنطبق على أفراد الأمن عند استخدام القوة بشكل مفرط”.
كما لفت إلى أن مسألة الوعي العام تشكّل تحدياً أساسياً، موضحاً أن الضمانات الإجرائية التي يتضمنها التعميم، مثل الموافقة الضمنية وحق الطعن، “لن تؤدي دورها ما لم يكن الجمهور على دراية بها”، في ظل بيئة معلوماتية قد لا تتيح وصول هذه المعرفة إلى جميع المواطنين، ما يتطلب جهداً منظماً في التوعية.
وفي ما يتعلق بتصنيف التظاهرات غير المرخصة كأعمال شغب، اعتبر أن هذا التصنيف “يخلق مساواة قانونية تلقائية بين غياب الترخيص الإداري وارتكاب فعل جرمي”، من دون اشتراط أن يكون التجمع قد اتسم بالعنف أو الفوضى فعلياً، مضيفاً أن “الخطر العملي” في هذا السياق يتمثل في أن اعتبار كل تجمع غير مرخص شغباً يمنح الجهات الأمنية تفويضاً للتعامل معها
بوصفها أحداثاً إجرامية، “ما يؤدي إلى إلغاء التمييز بين الاحتجاج السلمي والفوضى، وهو فارق أساسي في أي مرحلة انتقالية تسعى إلى بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة”.
وأكد أن تنظيم التظاهرات أمر مشروع، ويمكن للدولة فرض عقوبات إدارية متناسبة على عدم الامتثال للإجراءات، “لكن لا ينبغي اعتبار مجرد غياب الترخيص مرادفاً للشغب”، مشدداً على ضرورة التمييز بين المخالفة الإدارية والفعل الجرمي، بما ينسجم مع المعايير الحقوقية.
وفي ما يتعلق بتطوير الإطار القانوني مستقبلاً، أوصى بالانتقال من نظام الترخيص المسبق إلى نظام الإخطار، بحيث يكون الأصل هو السماح بالتجمع ما لم يوجد سبب واضح ومتناسب لتقييده، مع إمكانية اعتماد مهلة إخطار تتراوح بين 48 و72 ساعة، والسماح بالتجمعات العفوية في الحالات التي تتطلب تعبيراً فورياً.
كما دعا إلى إلغاء التصنيف التلقائي للتجمعات غير المرخصة كأعمال شغب، واستبداله بإطار متدرج يعتمد العقوبات الإدارية في حال عدم الالتزام بالإجراءات، مع حصر المسؤولية الجنائية في حالات العنف الفعلي أو الاضطراب الخطير.
وأشار إلى أهمية تحديد تشكيل اللجنة المختصة ومعايير عملها بشكل واضح، وحصر الأسباب المسموح بها لتقييد التجمع، واشتراط تقديم تبرير مكتوب لقرارات الرفض، إضافة إلى نشر هذه القرارات لتعزيز الشفافية والرقابة العامة.
كما شدد على ضرورة وضع توجيهات واضحة بشأن استخدام القوة أثناء التظاهرات، تستند إلى المبادئ الدولية، بحيث يكون استخدام القوة “ملاذاً أخيراً ومتناسباً مع التهديد الفعلي”، مع التأكيد على المساءلة الفردية عن أي تجاوزات.
ولفت إلى أهمية مراجعة المواد القانونية المتعلقة بالتجمعات لضمان توافقها مع الالتزامات الدولية، إضافة إلى إنشاء آلية شكاوى مستقلة تتيح للأفراد الطعن في أي انتهاك لحقهم في التجمع السلمي، بما يعزز من فعالية الضمانات القانونية ويكرّس حماية هذا الحق في المرحلة المقبلة.






