أُبيّن في هذا المقال أن التسجيلات المسرّبة من سجن صيدنايا ومستشفى تشرين العسكري، على الرغم من أهميتها البالغة من حيث محتواها، باتت مهددة في قيمتها القانونية والإثباتية نتيجة تداولها العلني العشوائي من دون المرور بسلسلة عهدة معترف بها. وتتقاطع في هذه المواد ثلاثة أطر قانونية متشابكة: القانون الجنائي الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقانون الأدلة الرقمية، بما يجعل التداول غير المنضبط خطرًا إثباتيًا يقوّض المسارات القضائية المستقبلية.
وفضلًا عن ذلك، قد يرتّب الاحتفاظ بأدلة تتعلق بفظائع دولية خارج القنوات الرسمية تبعات قانونية محتملة قد ترقى إلى عرقلة سير العدالة بموجب المادة 70 من نظام روما الأساسي، كما يُلحق النشر غير المنسّق ضررًا إنسانيًا بالغًا بعائلات المفقودين.
ويخلص المقال إلى أن المعالجة المسؤولة لهذه المواد تستلزم مسارين متوازيين، لا خيارًا بين النشر والحجب: التوثيق الرسمي عبر هيئات تحقيق دولية مختصة، والنشر الإعلامي الخاضع لمعايير التحقق وحماية هوية الضحايا؛ لأن التمييز بين ما رآه الجمهور وما يمكن للمحكمة توظيفه هو الخط الفاصل والحاكم في هذه المسألة.
فضل عبد الغني
دخلت التسجيلات المسرّبة من سجن صيدنايا ومستشفى تشرين العسكري حيز التداول العام دون أن تمر بأي سلسلة عهدة معترف بها، فقد نشرت من قبل جهات مجهولة الهوية. وتتقاطع في شأن هذه التسجيلات ثلاثة أطر قانونية: القانون الجنائي الدولي، لأنَّ المواقع المعنية أماكن ارتُكبت فيها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؛ والقانون الدولي الإنساني، لأنَّ الضحايا احتُجزوا من دون ضمانات قانونية أساسية؛ وقانون الأدلة الرقمية، لأنَّ التسجيلات قد تشكل شهادة رقمية محتملة.
إنَّ التقاء هذه الأطر على المادة نفسها، يعني أنَّ التداول غير المنظم يهدد بتقويض فائدتها في أي إجراءات قانونية مستقبلية. والحجة المطروحة هنا هي وجوب عدم الخلط بين المواد المسرّبة والأدلة القابلة للإثبات قانونًا، وأنَّ التعامل المسؤول معها يتطلب مسارين متوازيين: التوثيق الرسمي عبر هيئات تحقيق مختصة، والنشر الإعلامي المسؤول الخاضع لمعايير التحقق وحماية الضحايا.
الخطر الأول إثباتي؛ فقيمة الأدلة الرقمية في الإجراءات الجنائية لا تعتمد على محتواها فحسب، بل على قابليتها للتحقق وعلى توثيق سلسلة عهدتها. وحين يسرّب فرد قرصًا صلبًا، ويقدم نسخة منه إلى وزارة الداخلية على سبيل المثال، ويحتفظ بنسخة شخصية للنشر، فإنَّ سلسلة العهدة تكون قد تفككت فعليًا. فلا يوجد توثيق يحدد وقت تسجيل الفيديوهات، ولا ضمانة تمنع احتمال التعديل أو التزوير، ومن دون تلك السلسلة، من المرجح أن تُعامل هذه التسجيلات كمواد إرشادية لا كدليل مستقل.
الخطر الثاني قانوني؛ فالاحتفاظ بأدلة على جرائم دولية خارج القنوات الرسمية يزيد احتمالات المساءلة ضمن أطر متعددة. وبموجب القانون الجنائي الدولي، قد يرقى حجب الأدلة عن السلطات المختصة إلى عرقلة سير العدالة إذا وقع عمدًا أو أدى إلى إتلاف جزئي للسجل الإثباتي. وإذا أمكن إثبات أنَّ فردًا احتفظ بالمواد ثم حرر أجزاء منها أو حذفها قبل النشر، فإنَّ ذلك قد يشكل تلاعبًا بالأدلة بموجب المادة 70 (1) (ج) من نظام روما الأساسي، التي تجرم العرقلة المتعمدة لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية. إنَّ المبدأ العام يقول: الاحتفاظ غير المنظم والنشر الانتقائي للمواد المرتبطة بالفظائع الجماعية يمكن أن يشكلا أساسًا للمسؤولية الجنائية بموجب القانون الدولي، بصرف النظر عن نية الحائز.
الخطر الثالث إنساني؛ فالمادة 19 (3) تجيز فرض قيود لحماية حقوق الآخرين والنظام العام من النشر الإعلامي الاعتباطي، كما يفرض الإطار الأخلاقي لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان قيودًا إضافية هنا. وتتطلب مبادئ “عدم إلحاق الضرر”، تحقيق توازن بين المصلحة العامة في الكشف ومخاطر إعادة تعريض الضحايا وعائلاتهم للصدمة، أو تعريض الناجين لتهديدات أمنية إذا كُشفت معلومات تحدد هويتهم.
وفي السياق السوري، تشير تقديرات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنَّ عشرات آلاف العائلات ما تزال تجهل مصير أقاربها. وانطلاقًا من ذلك فإنَّ نشر المواد دون تنسيق قد يؤدي إلى معرفة أحد أفراد الأسرة بوفاة قريبه من خلال مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، من غير تمهيد أو دعم نفسي واجتماعي. وبموجب معيار “عدم إلحاق الضرر”، لا يعد ذلك مساهمة في إظهار الحقيقة، بل انتهاكًا للكرامة الإنسانية، وهو تحديدًا ما وُجد الإطار القانوني لمنعه.
ويتفاقم التداول غير المنضبط لهذه المواد بفعل دور منصات التواصل الاجتماعي، التي تضخم التداول دون تطبيق أي تحقق أو تنقيح أو وضع للسياق. وبمجرد دخول التسجيلات إلى هذه القنوات، لا تعود هيئات التحقيق ولا العائلات قادرة على التحكم في كيفية مواجهة هذه المواد أو توقيتها أو شكلها. فالتداول عبر المنصات يسرّع تحديدًا الأضرار التي صُمم إطار “عدم إلحاق الضرر” لمنعها، ويفعل ذلك على نطاق لا يستطيع أي تصحيح حقوقي لاحق إبطاله.
وعليه، فإنَّ الحجة ليست ثنائية الخيار؛ فالسؤال ليس النشر أم الحجب، بل كيفية التعامل مع المادة بحيث تخدم المساءلة والحماية معًا. إنَّ المعيار المعتمد في الممارسة الحقوقية الدولية لتوثيق الانتهاكات، يرتكز على ثلاثة شروط: التحقق من صحة المادة قبل النشر، وإخفاء معلومات تحديد هوية الضحايا ما لم تُستحصل موافقة صريحة ومستنيرة، والتشاور مع منظمات الدعم النفسي والاجتماعي بشأن سياق العرض. فالمواد التي تستوفي هذه الشروط يمكن نشرها بمسؤولية، أما المواد التي لا تستوفيها فلا ينبغي التعامل معها على أنَّها جاهزة للتداول.
إنَّ ترجمة هذا الإطار التحليلي إلى ممارسة مؤسسية تتطلب العمل على مسارين متوازيين. الأول هو مسار التوثيق الأممي: تسليم نسخ كاملة وغير محررة إلى هيئات التحقيق المختصة، مثل آلية التحقيق الأممية المستقلة أو لجنة التحقيق الدولية، أو منظمات حقوق الإنسان الموثوقة.
أما من الجانب الحكومي، فيجب أن تتركز الاستجابة على الحفاظ على سلسلة العهدة وحماية الضحايا. وينبغي توجيه الأفراد الذين يحوزون نسخًا أصلية إلى تسليمها للسلطات المختصة، مرفقة ببيان مكتوب يوضح ظروف الحصول عليها، مع إبقاء الملفات دون تعديل والحفاظ على بياناتها الوصفية سليمة.
ويجب على إدارة الأمن الجنائي والشرطة القضائية حفظ المواد المتداولة وفق معايير سلسلة العهدة، بما في ذلك استخراج البيانات الوصفية وتوثيق مسار الحصول على كل ملف. كما ينبغي مطابقة الموظفين الذين يظهرون في التسجيلات مع سجلات التوظيف، وتوقيف كل من يثبت تورطه. ويجب إخطار العائلات عبر القنوات الرسمية، بالتنسيق مع هيئة المفقودين والمنظمات الحقوقية السورية المختصة.
إنَّ تسجيلات صيدنايا ومستشفى تشرين أدلة محتملة على جرائم بموجب القانون الدولي، وسيحدد أسلوب التعامل معها ما إذا كانت ستسهم في تحقيق العدالة أم ستعقّدها. ويظل التمييز بين ما رآه الجمهور وما يمكن للمحكمة استخدامه هو الخط التحليلي الحاكم. فالكشف دون تحقق، والحيازة دون استقلالية، والتداول دون حماية، لا تنتج مساءلة، بل تنتج مظهرًا من مظاهر الأدلة بعد المساس بجوهرها القانوني.






