أهمية استثنائية
اكتسب القبض على أمجد يوسف أهمية استثنائية، ويعود ذلك إلى أن مجزرة التضامن تعد رمزا للانتهاكات التي ارتكبها النظام المخلوع وحجمها خلال أعوام الثورة السورية، إذ يعد يوسف من أبرز الأسماء المرتبطة مباشرة بمجزرة حي التضامن، وهي جريمة موثقة بالصوت والصورة.
إذ اعتبر رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن القبض على أمجد يوسف يمثل خطوة ذات دلالة رمزية ومؤسسية مهمة، فمن منظور توثيقي، لم يكن يوسف يوما مجهول الهوية، إذ رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجهات بحثية أخرى هويته منذ سنوات، لكن ما تغير اليوم هو انتقاله من حالة الإفلات الميداني من العقاب إلى الخضوع للولاية القضائية.
خطوة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية
وأشار فضل عبد الغني، الباحث في القانون الدولي وقضايا حقوق الإنسان، إلى أولويات التحقيق ما بعد الاعتقال، موضحا في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن الاعتقال ليس نهاية المسار، بل بدايته القانونية.
وأضاف أن ثمة ثلاثة محاور ينبغي أن تتركز عليها التحقيقات: أولا، تحديد سلسلة القيادة، فمجزرة التضامن لم تكن عملا فرديا، إذ تكشف التسجيلات المرئية عن تنسيق مؤسسي ومشاركة عناصر متعددة. ويلزم مبدأ المسؤولية القيادية، المنصوص عليه في المادة 28 من نظام روما الأساسي، بالوصول إلى من أصدروا الأوامر ومن أخفقوا في منع الجرائم رغم علمهم بها، وإن الاقتصار على أمجد يوسف سيفضي إلى عدالة منقوصة.
وثانيا، التنسيق مع الآلية الدولية المستقلة والمحايدة (IIIM)، التي أعلنت تحقيق تقدم ملموس في التعاون مع سوريا، فملفاتها تتضمن أدلة جمعت على مدى سنوات وفق معايير تضمن قابليتها للاستخدام أمام المحاكم الدولية، ولا يجوز إغفالها في التحقيق المحلي. وثالثا، ضمان صون الأدلة الرقمية وسلامة سلسلة حيازتها، لأن أي إخلال بها سيضعف الملاحقة القضائية.
العدالة الانتقالية غير انتقائية
وتعد العدالة الانتقالية، وفق عبد الغني، شرطا للاستقرار المستدام، مشيرا إلى أن التجارب المقارنة تظهر أن المجتمعات التي أرجئت فيها المساءلة لصالح الاستقرار الآني غالبا ما أعادت إنتاج دورات من العنف. والمعادلة المعاكسة هي الأصح: لا استقرار حقيقيا من دون معالجة جذور الانتهاكات. إن نجاح هذا المسار يظل مشروطا بتوافر أربعة أركان متكاملة: الحقيقة، والمساءلة الجنائية، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار. وأي غياب لأحد هذه الأركان يهدد المسار برمته.
وأضاف أن “الضحايا يمثلون ركيزة شرعية في بناء العقد الاجتماعي السوري الجديد، وأي نموذج للعدالة الانتقالية يهمش مشاركتهم أو يقصيهم عن مسار الحقيقة سيفقد قدرته على إنتاج مصالحة مستدامة”، وفق عبد الغني.
لكن هناك تحديا حقيقيا يكمن في امتلاك المؤسسة القضائية السورية القدرة على إدارة ملف بهذا الثقل الجنائي الدولي، وفق معايير المحاكمة العادلة، إذ قال عبد الغني إن إصلاح قانون العقوبات السوري بات ضرورة لا خيارا.
وأوضح أن قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 يحمل سمات زمن إصداره في بنيته، إذ يفتقر إلى تعريف صريح لجرائم الحرب، كما يخلو من أي إشارة إلى الجرائم ضد الإنسانية. ويشكل هذا فراغا تشريعيا يتعارض مع التزامات سوريا بموجب اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي صادقت عليها، والتي تلزمها، بموجب المادة الأولى المشتركة، بتطبيق أحكامها والمعاقبة على انتهاكاتها الجسيمة.
“إن التعديل المطلوب لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمثل إعلانا سياديا بأن سوريا تلزم نفسها بأحكام القانون الجنائي الدولي، سواء العرفي أو المقنن. ويشمل ذلك تجريم التعذيب بوصفه جريمة مستقلة وفق اتفاقية مناهضة التعذيب، وتعريف الاختفاء القسري وفق الاتفاقية الدولية لعام 2006، وتجريم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تعريفا متسقا مع المادتين 7 و8 من نظام روما. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز مقبولية الأحكام الصادرة عن القضاء السوري دوليا، وأن تقلص الفجوة بين المساءلة المحلية والدولية، وهي فجوة لا يمكن لأي مسار للعدالة الانتقالية تجاهلها”، بحسب عبد الغني.






