معايير وإجراءات بحاجة لتأكيد
ويسجل مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، ملاحظات إيجابية عدة للجلسة التحضيرية، أبرزها: مثول المتهم حضوريًا، وحضور ذوي الضحايا بصفة مدعين شخصيين، وعلنية الجلسة في ظل حضور دبلوماسي ورقابي.
ويشير، خلال حديث لـ”ألترا سوريا”، إلى أن هذه عناصر مشروعة لا ينبغي التقليل من أهميتها، أما ما يستوجب المتابعة الدقيقة فهو جلسة الاستجواب المقررة في العاشر من أيار: هل يتمتع المتهم بتمثيل قانوني فعلي؟ هل يُبنى ملف الادعاء على إثبات المسؤولية القيادية لا على الأفعال الفردية فحسب؟ هل تُتاح للضحايا فرصة تقديم شهاداتهم بصورة منظمة وآمنة؟ ويؤكد أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان ستواظب على رصد هذه المعايير جلسةً بعد جلسة.
في المقابل، يوضح عبد الغني أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي أسست بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025، في مرحلتها الراهنة، هي هيئة لكشف الحقيقة والمحاسبة المؤسسية، وليست محكمة جنائية، كما أن قانون العدالة الانتقالية، الذي يُفترض أن يُنشئ الدوائر القضائية المتخصصة، لا يزال في مرحلة المسودة، ولم يُقرّ بعد.
وبناء على هذه المعطيات، يلفت عبد الغني إلى أن الإشكالية القانونية الحقيقية لا تكمن في مبدأ إجراء المحاكمات قبل اكتمال الإطار الانتقالي، إذ أثبتت التجارب المقارنة أن المحاكم الجنائية العادية يمكن أن تعمل بالتوازي مع آليات العدالة الانتقالية، إنما تكمن الإشكالية في غياب ضمان إجرائي صريح يكفل إمكانية إحالة القضايا إلى الدوائر المتخصصة قبل صدور أي حكم نهائي، لأن الحكم البات يُغلق أمام الادعاء إمكانية إعادة التكييف القانوني الدولي لاحقًا.
هل من مخاطر لاعتماد القانون السوري؟
من النقاشات التي دارت حول بدء المحاكمات أن مبدأ المحاسبة يستند إلى قانون العقوبات السوري لا إلى قانون الجنايات الدولي. وتعليقًا يرى فضل عبد الغني أن هذه هي النقطة الأكثر حساسية من منظور الشبكة السورية لحقوق الإنسان. فقانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 لا يتضمن نصوصًا تُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بوصفها تصنيفات قانونية مستقلة.
ويلفت إلى أن تداعيات هذه المسألة كبيرة وتنتج عنها مخاطر مترابطة:
الخطر الأول يتعلق بالتوصيف القانوني، فالأفعال المنسوبة إلى المتهمين، مثل القتل الممنهج، والتعذيب المنظّم، والاختفاء القسري واسع النطاق، تستوفي عناصر الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما. غير أن الحكم، في حال استند إلى مواد العقوبات العادية وحدها، سيصفها بجرائم مثل القتل أو إساءة استخدام السلطة، مما يُفقد السجل القضائي قيمته المرجعية في الملاحقات الدولية.
أما الخطر الثاني الذي يورده عبد الغني فيتعلق بالتقادم، فالجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي العرفي، في حين تخضع الجرائم العادية في القانون السوري لأحكام تقادم قد تُعقّد الملاحقات المستقبلية.
غير أنه يشير إلى ما يُغفله كثير من المنتقدين غير المختصين بالقانون الدولي وهو أن المادة 15(2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تُجيز صراحةً محاكمة أفعال كانت مجرّمة وقت ارتكابها بموجب القانون الدولي العرفي، حتى من دون وجود نص وطني مسبق، وهذا يعني أن إقرار تشريعات جنائية جديدة لا يستلزم بالضرورة أثرًا رجعيًا استثنائيًا، بل يمكن أن يُعد تطبيقًا لقانون كان ساريًا أصلًا على المستوى الدولي.
هل ترتبط المحاكمات بمسار العدالة الانتقالية؟
تعد العلاقة بين هذه المحاكمات وبين مسار العدالة الانتقالية إحدى النقاط التي أثارتها النقاشات الحقوقية، بين من يعتقد أن المحاكمات الحالية هي تفعيل وإعلان رسمي للمسار وبين من ينظر إليها كإجراءات لا تتلاءم مع فداحة جرائم الحرب التي قام بها النظام المخلوع.
ينظر فضل عبد الغني إلى المحاكمات من الناحية الإجرائية كخطوة في مسار العدالة الانتقالية، معتبرًا إياها خطوة قضائية ضمن إطار أوسع يشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار.
ويؤكد أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان ترحب بهذا المسار وتتابعه عن كثب، وتؤكد في الوقت ذاته أن المعيار الوحيد لنجاحه هو الالتزام بمعايير المحاكمة العادلة وشمولية المساءلة، والإصلاح المؤسساتي.






