المحاكمات مقارنة بالمعايير الدولية للعدالة
عند تقييم المحاكمات الجارية في سوريا وفق المعايير الدولية، لا يبدو الحكم عليها مسألة ثنائية بين كونها “عدالة حقيقية” أو “إجراءات شكلية”، بقدر ما يتطلب تفكيكًا للعناصر التي تقوم عليها هذه المحاكمات، ومدى تقاطعها مع المعايير القانونية المعتمدة دوليًا.
وفي هذا السياق، يرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن المحاكمات تحمل في الوقت نفسه عناصر من كلا الوصفين، ما يجعل تقييمها مرتبطًا بمعايير محددة.
وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار عبد الغني إلى إشكالية أساسية تتمثل في غياب إطار قانوني واضح للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، رغم أن الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 أكد مبدأ استقلال القضاء.
إلا أن هذا الإعلان، بحسب عبد الغني، لم يترافق مع بناء الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لملاحقة الجرائم الدولية الجسيمة، أو معالجة مسؤولية القيادات، في ظل غياب نصوص صريحة في قانون العقوبات السوري تجرم هذه الأفعال، ما يخلق فجوة بين حجم الجريمة وحجم العقوبة.
وقال إن الفجوة بين ما يجري على أرض الواقع وما تفرضه المعايير الدولية لا تزال واضحة، إذ يتطلب تحقيق عدالة حقيقية بناء منظومة قضائية متكاملة قادرة على التعامل مع هذا النوع من الجرائم، وهي عملية معقدة تحتاج إلى وقت وجهد ودعم دولي.
أما على مستوى المعايير، فلفت عبد الغني إلى ضرورة الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة “14” التي تكفل حقوق الدفاع وعلنية الجلسات، إلى جانب مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الشهود والضحايا، والتي تفرض توفير برامج حماية فعالة قبل بدء الاستجواب.
وبذلك، فإن أي تقييم جدّي لهذه المحاكمات يبقى مرتبطًا بمدى قدرتها على تأمين هذه الضمانات الإجرائية، بما يشمل حق التمثيل القانوني، وحقوق المحاكمة العادلة، كشرط أساسي للارتقاء إلى مستوى العدالة الدولية.






