أبيّن في هذا المقال أن بلاغ وزارة الداخلية السورية الصادر في أيار 2026، والذي يُعدّ أول صك رسمي ينظّم الحق في التجمع السلمي في تاريخ سوريا، يمثّل خروجاً عن منطق النظام الأسدي القائم على التجريم الأمني للتظاهر، غير أنه ينطوي على إشكاليات قانونية تُقيّد هذا الحق الذي يدّعي.
وتتجلى أبرز هذه الإشكاليات في ثلاثة محاور: أولها اعتماد البلاغ نموذج الترخيص المسبق بدلاً من نموذج الإخطار الذي تستلزمه المعايير الدولية، ولا سيما التعليق العام رقم 37 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان الأممية عام 2020، الذي يؤكد أن ممارسة حق التجمع لا ينبغي أن تشترط إذناً مسبقاً. وثانيها التجريم التلقائي للتجمعات غير المرخصة بموجب أحكام الشغب في قانون العقوبات، وهو ما يُفضي إلى معادلة قانونية تختلط فيها المخالفة الإدارية بالجريمة الجنائية. وثالثها استبعاد التجمعات العفوية بحكم البنية الإجرائية للبلاغ، إذ تستلزم عملية الترخيص تشكيل لجنة منظّمة مسبقاً وانتظار قرار يمتد حتى خمسة أيام.
التفاصيل في رابط المقال الكامل المنشور على موقع تلفزيون سوريا
فضل عبد الغني
أصدرت الحكومة السورية أول صك رسمي ينظم الحق في التجمع السلمي. ويُعد هذا البلاغ، الصادر عن وزارة الداخلية في أيار 2026 استنادًا إلى الإعلان الدستوري، أول محاولة من حكومة سورية للتعامل مع التظاهر العام بوصفه حقًا يخضع لإجراءات قانونية، لا حدثًا أمنيًا ينبغي قمعه.
وبالنسبة إلى بلد ظل محكومًا بقانون الطوارئ من عام 1963 حتى عام 2011، واستمرت أجهزته الأمنية في التعامل مع التجمعات العامة كتهديدات للدولة حتى بعد انتهاء مفعول ذلك القانون رسميًا، أي طوال فترة الثورة السورية، فإن أي إطار تنظيمي يعترف بالحق في التظاهر يُعد خروجًا عن منطق النظام السابق. غير أن السؤال يكمن في مدى اتساق الإطار الذي اختارته الوزارة مع الحق الذي تدعي حمايته.
يعتمد البلاغ نموذج الترخيص المسبق؛ إذ يتعين على أي مجموعة ترغب في تنظيم تظاهرة تشكيل لجنة مؤلفة من رئيس وعضوين على الأقل، وتقديم طلب إلى المحافظة المعنية، وانتظار القرار خلال خمسة أيام. وفي حال عدم صدور قرار، تُعد الموافقة ضمنية. ويمكن الطعن في قرارات الرفض أمام القضاء الإداري خلال أسبوع واحد. وتتعهد الوزارة بتوفير الحماية للتجمعات المرخصة، وتحظر حمل السلاح. أما التجمعات التي تُقام دون ترخيص، فتُصنف بموجب المواد 335 إلى 338 من قانون العقوبات كتجمعات شغب خاضعة للعقوبة الجنائية. كما تحتفظ الوزارة بصلاحية طلب إنهاء التجمعات التي تتجاوز شروط الترخيص أو تخل بالنظام العام، أو فرض إنهائها.
وقبل فحص أوجه القصور المحددة في البلاغ، من الضروري معالجة الحجة القائلة إن الظروف الأمنية في سوريا تبرر نموذجًا تنظيميًا أكثر تقييدًا. فالبيئة الأمنية واقع ملموس؛ إذ يشكل وجود النزاعات المحلية غير المحسومة، وخطر العمليات الانتقامية، وبقايا النظام السابق، تهديدات مباشرة للسلامة العامة. كما قد يؤدي قدر من التنظيم، وإن عُد مفرطًا في دولة مستقرة، وظيفة حمائية مشروعة في هذا السياق، للمتظاهرين والجمهور على حد سواء. ومع ذلك، فإن أوجه القصور المحددة التي يتناولها هذا التحليل ليست نتاج ضرورة أمنية. فالتجريم التلقائي للتجمعات غير المرخصة، وغياب معايير قرارات الترخيص، والافتقار إلى مبادئ توجيهية لاستخدام القوة، واستبعاد التجمعات العفوية، كلها خيارات تنظيمية لا ضرورات أمنية. ولا يعزز أي منها الأمن العملياتي؛ بل إن كلًا منها يقيد ممارسة الحق من دون تحقيق مكسب أمني مقابل. ويمكن تصحيح هذه العيوب ضمن الإطار المؤسسي الحالي، ولا تصلح الحجة الأمنية لتبريرها.
تكمن المشكلة القانونية في البلاغ في تبنيه نموذج الترخيص بدلًا من نموذج الإخطار. وينص التعليق العام رقم 37 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 2020 على أن ممارسة الحق في التجمع السلمي لا ينبغي أن تخضع لترخيص مسبق. والحد الأقصى المقبول هو نظام إخطار مصمم لتمكين الدولة من تسهيل التجمع وحماية السلامة العامة. والتمييز هنا مفاهيمي لا إداري: فبموجب نظام الإخطار يكون الأصل جواز المضي في التجمع؛ أما في ظل نظام الترخيص، فإن الأصل هو عدم جواز المضي فيه إلى أن تمنح الدولة الإذن.
ومع ذلك، يبرز سؤال أولي حول ما إذا كان البلاغ يمتلك السلطة القانونية لفرض القيود التي يتضمنها. فبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يجب أن تكون القيود المفروضة على الحق في التجمع السلمي «مفروضة بحكم القانون»، وهو شرط منصوص عليه في المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويتطلب هذا المعيار، في العادة، صكًا تشريعيًا عامًا يُعتمد من خلال عملية تضمن قدرًا كافيًا من الدقة، وإمكانية الوصول، والقدرة على التنبؤ. أما البلاغ الوزاري فهو أداة إدارية لا تشريع؛ إذ يصدر عن وزارة واحدة، ويمكن تعديله أو سحبه دون عملية تشريعية، ويفتقر إلى السمات الشكلية للقانون بالمعنى التقليدي. وما إذا كانت أداة كهذه تستوفي شرط «المفروضة بحكم القانون» سؤال لا يعالجه الإطار نفسه. وإذا كانت القيود التي يفرضها البلاغ، بما في ذلك الإحالة الجنائية بموجب قانون العقوبات، تستند إلى أداة إدارية لا تبلغ عتبة «القانون» بموجب المادة 21، فإن الهيكل التنظيمي بأكمله قد يفتقر إلى أساس قانوني كاف.
ويفرض شرط تشكيل لجنة منظمة من رئيس وعضوين على الأقل قبل تقديم طلب الترخيص حدًا أدنى من التنظيم المسبق. والعتبة العددية منخفضة ولا تشكل في حد ذاتها عائقًا كبيرا. غير أنها تربط ممارسة الحق بدرجة دنيا من التنظيم المسبق. والتعليق العام رقم 37، في فقرته الرابعة، صريح في أن التجمع لا يحتاج إلى تنظيم، وأن الأفراد الذين يتصرفون بعفوية يتمتعون أيضًا بالحق في التجمع السلمي. وإطار يشترط تشكيل لجنة مسماة برئيس محدد قبل تقديم أي طلب يستبعد، بحكم تصميمه، أشكال التجمع التي تفتقر إلى بنية تنظيمية رسمية. وفي سياق انتقالي تتم فيه التعبئة السياسية غالبًا عبر التنسيق غير الرسمي، يضيق هذا الشرط نطاق التجمع المحمي إلى ما يتجاوز ما تقتضيه المعايير الدولية. والإشكالية ليست في العتبة العددية بقدر ما هي في المقدمة المفاهيمية: أن الحق في التجمع لا يتاح إلا لمن شكّلوا أنفسهم أولًا في وحدة تنظيمية قابلة للتحديد وخاضعة للمسؤولية الإدارية، وربما الجنائية.
ويثير تفويض قرارات الترخيص للمحافظات قلقًا إضافيًا. فالبلاغ يوجه الطلبات إلى المحافظة المعنية، التي تحيلها بدورها إلى «لجنة مختصة» لم تُحدد تركيبتها ولا معايير اتخاذ القرار لديها. وتختلف المحافظات السورية في قدرتها الإدارية، وتوجهها السياسي، وظروفها الأمنية. وفي بعض المناطق، قد تسير عملية الترخيص باتساق معقول؛ بينما قد تتحول في مناطق أخرى إلى آلية للمنع. ومن دون تحديد أسباب واضحة للرفض، أو اشتراط تقديم تبرير مكتوب، أو نشر القرارات لتمكين الرقابة العامة، لا يمكن ضمان التوحيد والاستقلال السياسي في قرارات الترخيص.
أما التعامل مع التجمعات العفوية فيطرح مشكلة مستقلة. فالتعليق العام رقم 37 يعترف بالتجمعات العفوية كشكل محمي من أشكال ممارسة الحق في التجمع السلمي. والأحداث السياسية التي تستدعي تعبيرًا شعبيًا فوريًا، مثل قرار حكومي، أو حادث أمني، أو تطور قضائي، لا تخضع للجداول الزمنية الإدارية. وفترة الانتظار البالغة خمسة أيام في البلاغ، حتى مع ضمان الموافقة الضمنية عند الصمت الإداري، تمنع أي استجابة فورية لهذه الأحداث. والتوصية هنا ليست التخلي عن التنظيم، بل الانتقال من الترخيص إلى الإخطار، مع إدراج نص صريح يسمح للمظاهرات بالمضي دون إخطار مسبق عندما تتطلب الظروف تعبيرًا فوريًا، شريطة أن تظل سلمية. إن جدولًا زمنيًا للإخطار يتكيف مع الظروف السورية، مثل 48 إلى 72 ساعة، سيكون متسقًا مع المعايير الدولية، وقادرًا في الوقت نفسه على استيعاب التخطيط الأمني المشروع.
ويُعد الحكم الأكثر تأثيرًا في البلاغ تصنيف التجمعات غير المرخصة كصورة من صور الشغب بموجب المواد 335 إلى 338 من قانون العقوبات. وهذه المواد، التي تسبق الإطار الانتقالي الحالي، تفرض عقوبات جنائية، بما في ذلك الحبس، على المشاركة في تجمعات تُعد مهددة للنظام العام. ويخلق البلاغ معادلة قانونية تلقائية بين غياب الترخيص الإداري وارتكاب فعل جرمي، دون اشتراط اقتران التجمع بالعنف أو الفوضى. ويتناول التعليق العام رقم 37 هذا الأمر مباشرة؛ فالفشل في إخطار السلطات أو عدم الامتثال للمتطلبات التنظيمية لا يجعل التجمع غير قانوني، ولا ينبغي أن يكون أساسًا لفضه أو الاعتقال أو العقوبة الجنائية. وإذا عُد كل تجمع غير مرخص شغبًا من الناحية القانونية، فإن قوات الأمن تحصل على تفويض دائم للتعامل مع التجمعات السلمية والعفوية كأحداث إجرامية. وهذا يلغي التمييز القانوني بين الاحتجاج والفوضى، وهو تمييز أساسي لأي إطار انتقالي يسعى إلى بناء الثقة العامة في مؤسسات الدولة. ويجوز للدولة، بصورة مشروعة، فرض عقوبات إدارية متناسبة على عدم الامتثال المتعمد لمتطلبات إخطار معقولة، لكن ما لا يجوز لها فعله هو مساواة مجرد غياب الترخيص بأعمال الشغب. والمطلوب هو إطار متدرج: عقوبات إدارية على الفشل المتعمد في الإخطار عندما يكون الإخطار ممكنًا، مع حصر المسؤولية الجنائية بحالات العنف الفعلي أو الاضطرابات الخطيرة.
وتكشف أحكام البلاغ بشأن إنهاء التجمعات عن فجوة متصلة بذلك. إذ يجوز للوزارة أن تطلب من اللجنة المنظمة إنهاء التظاهرة إذا تجاوزت شروط الترخيص أو إذا وقعت أفعال من شأنها «الإخلال بالنظام العام أو إعاقة السلطات عن أداء مهامها». وإذا لم تمتثل اللجنة، يجوز للوزارة فض التجمع مباشرة. ولا يقدم البلاغ أي توجيه بشأن كيفية إجراء الفض، أو المستوى المسموح به من القوة، أو متطلبات الاستجابة المتدرجة، أو مساءلة عناصر الأمن في حالات استخدام القوة المفرطة. ومن شأن التعليمات الوزارية التي تدمج مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية أن توفر خطوة عملية أولى، تقوم على استخدام القوة كخيار أخير، والتناسب مع التهديد الفعلي، والحظر المطلق لاستخدام القوة القاتلة في فض الحشود، والمساءلة الفردية عن الانتهاكات.
كما يغفل البلاغ أي نص يتناول التظاهرات المضادة أو التزام الدولة بحماية التجمعات من الأطراف الثالثة المعادية. وفي البيئة السورية الحالية، حيث لا تزال التوترات الطائفية والسياسية حادة، تكون التجمعات عرضة ليس فقط لتدخل الدولة، بل أيضًا للتعطيل من قبل مجموعات معارضة. ويفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدولة التزامًا لا يقتصر على الامتناع عن التدخل في التجمع السلمي، بل يشمل اتخاذ خطوات معقولة لحماية المشاركين من العنف الذي قد تمارسه جهات غير حكومية.
ختامًا، إن الفجوة بين الابتكارات الإجرائية للبلاغ وإطاره المفاهيمي تشكل التوتر الأساسي الذي ينبغي على هذا الإطار حله. وتثبت المكونات الإجرائية أن الحكومة السورية تمتلك القدرة الإدارية على تنظيم التجمع العام عبر القنوات القانونية. والسؤال هو ما إذا كانت ستستخدم تلك القدرة لتسهيل ممارسة الحق أم للتحكم في الوصول إليه.






