أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة “شام”، أن الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة الجورة والقصور في مدينة دير الزور تمثل اختباراً عملياً لقدرة سوريا على الانتقال من مرحلة توثيق الجرائم وحفظ ذاكرة الضحايا إلى مرحلة كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وتحقيق المساءلة القضائية وجبر الضرر الذي لحق بالضحايا وأسرهم.
وأوضح عبد الغني أن المجزرة بدأت في 25 أيلول/سبتمبر 2012، في سياق عملية عسكرية واسعة نفذتها قوات النظام السابق في حيّي الجورة والقصور بمدينة دير الزور، مشيراً إلى أن العملية لم تقتصر على القصف، بل أعقبها اقتحام للأحياء وعمليات قتل ميداني طالت عائلات ومدنيين داخل منازلهم، أو بعد وقوعهم تحت سيطرة القوات المهاجمة.
وأشار إلى أن مصادر توثيقية تحدثت عن مشاركة وحدات من الحرس الجمهوري، بينها اللواءان 104 و105، مع التشديد على أن تحديد المسؤولية الجنائية يجب أن يتم بصورة فردية، استناداً إلى الأدلة المتعلقة بدور كل شخص وأفعاله وعلمه وسلطته الفعلية، دون استخلاص المسؤولية من الرتبة العسكرية أو مجرد الوجود في المنطقة أثناء وقوع الجرائم.
وبحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفرت المجزرة عن مقتل ما لا يقل عن 192 مدنياً، بينهم 7 أطفال و12 سيدة، فيما يرى عبد الغني أن هذه الوقائع تستدعي اليوم تحقيقاً قضائياً مستقلاً يستند إلى الأدلة المتراكمة خلال السنوات الماضية.
ولفت إلى أن القتل العمد للمدنيين أو للأشخاص الذين أصبحوا تحت سيطرة القوات المهاجمة يمكن أن يشكل جريمة حرب عند توافر عناصرها القانونية، كما يمكن أن تندرج الأفعال ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت ارتكابها في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع توافر بقية الشروط القانونية.
وفي سياق العدالة الانتقالية، حدد عبد الغني خمسة مسارات مترابطة ينبغي أن يتحرك من خلالها ملف المجزرة، تتمثل في كشف الحقيقة الكاملة حول ما جرى، وتحديد مصير المفقودين والجثامين مجهولة الهوية، وتحقيق المساءلة الجنائية الفردية، وجبر ضرر الضحايا وأسرهم، إلى جانب فحص البنية المؤسسية والأوامر وسلاسل القيادة التي أتاحت ارتكاب الجرائم أو أسهمت في وقوعها.
وأكد أن العدالة الانتقالية لا ينبغي اختزالها في محاكمة عدد من الأشخاص أو في تخليد ذكرى الضحايا والاعتراف الرمزي بمعاناتهم، بل يجب أن تقوم على مسار متكامل يجمع بين كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.
وأشار عبد الغني إلى أن الظروف الحالية تتيح الوصول إلى معلومات ووثائق لم تكن متاحة خلال سنوات حكم النظام السابق، بما في ذلك الأرشيفات الأمنية والعسكرية وسجلات الوحدات والانتشار والاتصالات والأوامر، إضافة إلى إمكانية الوصول إلى أشخاص كانوا يشغلون مواقع قيادية وأمنية في دير الزور خلال الفترة ذات الصلة.
وشدد على ضرورة حماية هذه المواد من الفقد أو العبث، وحفظها وفق معايير مهنية تضمن سلامتها وقيمتها الإثباتية، وربطها بالشهادات وقواعد بيانات الضحايا والمفقودين، بما يسمح بتحويل المادة التوثيقية المتراكمة إلى أدلة يمكن استخدامها أمام القضاء ضمن إجراءات عادلة.
وتطرق مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى تطور قضائي جرى في آب/أغسطس 2026، تمثل بمثول اللواء السابق عادل عيسى، قائد الفرقة 17 ورئيس اللجنة الأمنية في دير الزور سابقاً، أمام قاضي الإحالة المختص بالعدالة الانتقالية، ضمن دعوى تشمل أيضاً العميد دعاس حسن علي، الرئيس السابق لفرع أمن الدولة في دير الزور، وتتعلق باقتحام المدينة.
واعتبر عبد الغني أن فتح ملفات مسؤولين سابقين يمثل تطوراً ينبغي متابعته، مع ضرورة الالتزام بمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية وضمانات المحاكمة العادلة، بحيث يتم إثبات دور كل متهم وأفعاله وعلمه، وتحديد مدى سلطته الفعلية على مرؤوسيه، وما إذا كان قد أصدر أوامر أو امتنع عن اتخاذ إجراءات كان القانون يفرض عليه اتخاذها، وفقاً لشروط المسؤولية القانونية في كل حالة.
وبعد مرور أربعة عشر عاماً على المجزرة، يرى عبد الغني أن التحدي المطروح أمام المؤسسات السورية يتمثل في القدرة على تحويل المعلومات المتراكمة إلى حقيقة مثبتة بالأدلة وفي إطار قضائي، وتحديد المسؤوليات الفردية بعيداً عن الانتقام والانتقائية، إلى جانب كشف مصير المفقودين وإنصاف ذوي الضحايا والحفاظ على ذاكرتهم.
وختم بالتأكيد على أن التعامل مع ملف مجزرة الجورة والقصور يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع للعدالة الانتقالية، يقوم على الاعتراف بحقوق الضحايا، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الجرائم والانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية.






