أهمية التنسيق الحكومي مع المنظمة
يرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن التعاون بين الحكومة السورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية يمثل تطورًا مهمًا في مسار المساءلة عن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، لأنه يتيح الوصول إلى أدلة ومعلومات ظلت محجوبة لسنوات طويلة.
وقال عبد الغني في حديث إلى عنب بلدي، إن التعاون بين الجانبين يتيح الوصول إلى مصادر جديدة للأدلة، مثل الأرشيف العسكري والأمني وسجلات إنتاج الأسلحة الكيماوية وتخزينها ونقلها، وأوامر العمليات والمراسلات المتعلقة بسلاسل القيادة واتخاذ القرار، لافتًا إلى أنها مصادر قد تكون حاسمة في ربط الهجمات بوحدات عسكرية محددة، ثم تحديد الأدوار الفردية داخل تلك الوحدات والمؤسسات.
ونوه إلى أهمية التأكيد على أن التخلص من الأسلحة الكيماوية لا ينهي المسؤولية القانونية عن استخدامها، فإغلاق ملف البرنامج الكيماوي من الناحية الفنية لا يعني إغلاق ملف الجرائم المرتكبة باستخدامه، إذ يتطلب ذلك تحقيقات جنائية مستقلة ومحاكمات عادلة وإنصافًا للضحايا.
دور المنظمة في المساءلة
تؤدي منظمة حظر الأسلحة الكيماوية دورًا أساسيًا في مسار المساءلة، برأي عبد الغني، مع ضرورة التمييز بين اختصاصها الفني والتحقيقي، وبين اختصاص المحاكم الجنائية، مشيرًا إلى أن بعثة تقصي الحقائق التابعة للمنظمة تتولى التحقق من استخدام المواد الكيماوية السامة كأسلحة، بينما يتولى فريق التحقيق وتحديد الهوية، الذي أُنشئ في حزيران 2018، تحديد الجهات المسؤولة عن الهجمات التي تدخل ضمن ولايته.
وأضاف عبد الغني أن فريق التحقيق أصدر خمسة تقارير رئيسة شملت سبعة حوادث استخدام للأسلحة الكيماوية، بالتعاون مع “الشبكة السورية”، لافتًا إلى أن مشاركة “الشبكة” في هذه الأعمال أوضحت أهمية التكامل بين التوثيق الحقوقي الوطني والتحقيق الدولي المتخصص.
وتمتلك المنظمات الحقوقية، بحسب عبد الغني، معرفة تفصيلية بالوقائع والسياق المحلي، وعلاقات ممتدة مع الضحايا والشهود، وقواعد بيانات تراكمية، وفي المقابل، تمتلك منظمة حظر الأسلحة الكيماوية قدرات فنية ومخبرية وتحقيقية متخصصة، تمكّنها من تحليل الأدلة والتحقق منها، بما في ذلك العينات الكيماوية وبقايا الذخائر وصور الأقمار الصناعية والبيانات المتعلقة بوسائل تنفيذ الهجمات.
100 ألف وثيقة.. ما قيمة الرقم؟
مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، يرى أن إعلان الحكومة السورية تسليم أكثر من 100 ألف وثيقة رسمية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية يشكل تطورًا مهمًا، لما قد يتيحه للمحققين من الوصول إلى جانب واسع من السجلات المتعلقة بالبرنامج الكيماوي لنظام الأسد، وهي سجلات لم تكن متاحة خلال السنوات السابقة.
وأضاف أن هذه الوثائق قد تكشف عن البنية التنظيمية للبرنامج الكيماوي، والجهات التي تولت إنتاج المواد السامة وتخزينها ونقلها، والوحدات العسكرية التي تسلمتها، والعلاقات بين المؤسسات العسكرية والأمنية والعلمية التي شاركت في إدارة البرنامج.
ورغم الأهمية السابقة، نوه عبد الغني إلى أن التعامل مع هذا الحجم من الوثائق يحتاج إلى إجراءات دقيقة تشمل حفظ الأصول، وتوثيق مصدر كل وثيقة وطريقة الحصول عليها، وفحص أصالتها وسلامتها، وتحليل مضمونها ومقارنته بالأدلة الأخرى، كما يجب التحقق من الوثائق التي قد تكون ناقصة أو مضللة أو أُعدت لإخفاء طبيعة بعض الأنشطة.
موقع الضحايا ضمن المعادلة
تضمنت زيارة المديرة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، سابرينا دالافيور، لقاء عدد من ذوي الضحايا والناجين من مجزرة السلاح الكيماوي في مدينة زملكا بريف دمشق، واستمعت إلى ما مرّوا به خلال المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد في المدينة عام 2013 .
يعتقد مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن لقاء دالافيور بذوي الضحايا والناجين من السلاح الكيماوي خطوة تؤكد أن الملف في سوريا ليس مجرد ملف فني يتعلق بالمنشآت والذخائر والتخلص منها، بل يرتبط بجرائم خلّفت آلاف الضحايا وآثارًا صحية ونفسية واجتماعية مستمرة.
وأشار عبد الغني إلى أهمية أن يكون الضحايا في صلب الجهود المتعلقة بكشف الحقيقة والمساءلة، وألا يقتصر التعامل معهم على اعتبارهم شهودًا أو مصادر للمعلومات، فهم أصحاب حقوق تشمل معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة، والحصول على جبر الضرر والرعاية الطبية والنفسية المناسبة.
ولفت إلى أن تجربة “الشبكة السورية” أثبتت أن مشاركة الضحايا وشهود العيان كانت عنصرًا أساسيًا في توثيق الهجمات الكيماوية منذ عام 2012، دون إغفال أن الشهادة يجب أن تخضع للتحقق والمقاطعة مع المصادر الأخرى، بما فيها الأدلة الطبية والمادية والرقمية، حتى تكون جزءًا من بناء إثباتي متماسك.






