فضل عبد الغني
وصف كثير من الصحفيين والمحللين تصرفات إيران في مضيق هرمز، من إغلاق المضيق وتهديد السفن التجارية إلى ربط العبور بالتنسيق المسبق، بأنَّها قرصنة. ويحمل هذا الوصف قوة بلاغية واضحة، لأنَّه يستحضر أقدم تصنيف للجرائم الدولية، أي مبدأ «عدو البشرية جمعاء». غير أنَّ مسألة ما إذا كان سلوك إيران يندرج ضمن التعريف القانوني للقرصنة تختلف عن مسألة ما إذا كان ينتهك القانون الدولي. فالإجابة عن السؤال الأول هي: لا. أما الإجابة عن السؤال الثاني فهي: نعم. بل إنَّ العواقب القانونية المترتبة على ذلك، في جوانب عديدة، أشد من تلك المترتبة على القرصنة.
تُعرَّف القرصنة تعريفًا رسميًا في المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تُقنّن القانون الدولي العرفي القائم. ويشترط هذا التعريف توافر أربعة عناصر متراكمة: ارتكاب أعمال عنف أو احتجاز أو نهب غير مشروعة؛ وأن تصدر هذه الأفعال عن طاقم أو ركاب سفينة خاصة؛ وأن تكون لأغراض خاصة؛ وأن تُوجَّه ضد سفينة أخرى في أعالي البحار أو خارج نطاق ولاية أي دولة. وقد أُقرّ هذا التعريف أيضًا في اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن أعالي البحار، كما عززت أعمال لجنة القانون الدولي بشأن القواعد الآمرة حظر القرصنة بوصفه إحدى هذه القواعد.
ويخالف سلوك إيران عنصرين على الأقل من هذه العناصر. وأهم العقبات هنا شرط «الأغراض الخاصة». فالقرصنة، بحسب تعريفها، فعل ترتكبه جهات فاعلة غير حكومية لتحقيق مكاسب شخصية أو مالية. أما القوات البحرية الإيرانية، ووحدات الحرس الثوري البحرية، ومشغلو الطائرات المسيّرة، وعمليات زرع الألغام، فهي جميعًا أجهزة حكومية تعمل تحت قيادة الدولة تنفيذًا لسياستها. وعندما توجه دولة ما العنف في البحر، فإنَّ الفعل الناتج يندرج تحت قانون الحرب البحرية، أو قانون استخدام القوة، أو قوانين النزاعات المسلحة، لا تحت وصف القرصنة.
أما العنصر الجغرافي فلا يقل إشكالًا. فمضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 21 ميلًا بحريًا، يقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية المتداخلة لإيران وعُمان، إذ تدّعي كلتاهما أقصى عرض مسموح به للمياه الإقليمية، وهو 12 ميلًا بحريًا. ولا تُعدّ الهجمات التي تقع داخل المياه الإقليمية قرصنة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإن أمكن تصنيفها بوصفها «سطوًا مسلحًا على السفن» وفق الصكوك الإقليمية للمنظمة البحرية الدولية، وهو تصنيف قانوني مختلف.
ومع ذلك، فإنَّ عدم انطباق وصف القرصنة لا ينتقص من خطورة سلوك إيران، بل يوجّه التحليل نحو أطر قانونية أكثر ملاءمة. فالمواد من 37 إلى 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق غير قابل للتعليق في المرور العابر عبر المضائق الدولية. وهذا الحق، الذي جرى تأكيد كونه جزءًا من القانون الدولي العرفي الملزم لإيران، بصرف النظر عن عدم كونها طرفًا في الاتفاقية، لا يقتصر على منع الإغلاق الرسمي، بل يشمل أيضًا أي «إعاقة وظيفية» للمرور، تُقيَّم على نحو تراكمي. ومن ثم، فإنَّ الجمع بين هجمات الطائرات المسيّرة، وزرع الألغام، والتهديدات، واشتراط التنسيق والدفع مقابل العبور، يُشكّل هذا النوع من الإغلاق الوظيفي. وقد دان قرار مجلس الأمن رقم 2817، الصادر في 11 من آذار/ مارس 2026، هذه الأعمال صراحةً بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين، مؤكدًا أنَّ أي محاولة لعرقلة المرور العابر المشروع تُعد من هذا القبيل.
وقد استخدم بعض المعلقين القانونيين تشبيه القرصنة عمدًا بوصفه حجة معيارية لا تصنيفًا تقنيًا. فقد أشار تحليل منشور في مجلة الأمن الدولي الصادرة عن منشورات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنَّ إغلاق المضيق سيُعد انتهاكًا جسيمًا للأعراف الدولية، يمس مصالح معظم الدول بصورة مباشرة ومهمة، «بما يجعله عمليًا حملة قرصنة». ويستعمل هذا الطرح مصطلح «القرصنة» بمعناه التاريخي والسياسي، أي معاداة الإنسانية، لا بمعناه الفني الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. أما الصياغة الأدق قانونًا فهي أنَّ تصرفات إيران تُحدث آثارًا مماثلة للقرصنة، من حيث التعطيل المنهجي لحرية الملاحة، والإكراه الاقتصادي الواقع على دول ثالثة، واحتجاز ما يقارب 20 ألف بحّار على متن نحو ألفي سفينة في منطقة حرب نشطة.
ويجب التمييز بين القرصنة والسلوك العدواني غير المشروع؛ فالولاية القضائية العالمية تنطبق على القرصنة، بما يتيح لأي دولة القبض على القراصنة ومحاكمتهم بغض النظر عن علم السفينة التي ارتكبوا منها الفعل. أما الهجمات البحرية التي تشنها الدول فلا تُفعّل الولاية القضائية العالمية على النحو نفسه؛ إذ تكون أدوات الرد المناسبة هنا هي مسؤولية الدولة، والتدابير المضادة، والاحتجاج الدبلوماسي، والإدانة المؤسسية، كما يظهر في قرار مجلس الأمن رقم 2817 وما قد يترتب عليه من آثار محتملة بموجب الفصل السابع. كذلك، فإنَّ تصرفات إيران قد تعرّضها لإجراءات أمام محكمة العدل الدولية بسبب انتهاك التزاماتها العرفية في إطار قانون البحار، ولمطالبات من دول علم السفن المحايدة التي تعرضت للهجوم، فضلًا عن احتمال خضوعها لتدقيق المحكمة الجنائية الدولية إذا نُظر في الهجمات على المدنيين الموجودين على متن السفن التجارية المحايدة بوصفها جرائم حرب في سياق نزاع مسلح دولي.
ومن ثم، فإنَّ عدم انطباق التعريف الرسمي للقرصنة على سلوك إيران لا يوفر لها سندًا دفاعيًا، لأنَّ هذا السلوك ينتهك، في آن واحد، عددًا من القواعد غير القابلة للتعطيل في قانون البحار، وقانون الحرب البحرية، وقانون استخدام القوة، كما أنَّ صياغة الرد الدولي جاءت بالفعل على نحو قد يدعم مزيدًا من العمل الجماعي في إطار ميثاق الأمم المتحدة.






