فضل عبد الغني
صوّت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48 على إقرار قانون يجعل عقوبة الإعدام العقوبة الافتراضية للفلسطينيين المدانين أمام المحاكم العسكرية بقتل إسرائيليين. أُقرّ القانون عبر الإجراءات التشريعية المعتادة، وبأغلبية عددية، في برلمان يعرّف نفسه بأنَّه ديمقراطي. والنتيجة نظام لعقوبة الإعدام يُطبّق، بحكم بنيته القضائية، على فئة قومية دون أخرى داخل الإقليم نفسه. وتكمن المشكلة الأساسية، أولاً في قسوة العقوبة، وثانياً في الآلية التي أُقرّت من خلالها: تصويت ديمقراطي كرّس عقوبة تمييزية في صورة قانون.
يعمل التشريع عبر مسارين قانونيين متوازيين تختلف نتائجهما تبعاً للهُويّة الوطنية للمتهم. فالفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلّة يخضعون للأمر العسكري الإسرائيلي رقم 1651، ويُحاكمون أمام محاكم عسكرية، إذ ينصّ القانون الجديد على الإعدام شنقاً بما هو عقوبة افتراضية لجرائم القتل المصنّفة إرهابية. أمّا المستوطنون الإسرائيليون في المنطقة نفسها، فيُحاكمون أمام محاكم مدنية، لتبقى السلطة التقديرية للقضاء محفوظة، وتظلّ عقوبة الإعدام أحد الخيارات العقابية المتاحة. ويستثني القانون صراحة المواطنين والمقيمين الإسرائيليين من اختصاص المحاكم العسكرية. وهذا التمييز مقصود في ذاته، إذ صيغ نطاق الاختصاص القضائي خصيصاً لتحقيق هذه النتيجة: تعريض الفلسطينيين لعقوبة الإعدام، وتوفير الحماية الإجرائية للإسرائيليين.
وتفاقم الشروط الإجرائية هذا التفاوت على نحو بنيوي؛ فالمحاكم العسكرية تعمل أصلاً بنسبة إدانة تبلغ نحو 96%، وتعتمد هذه الإدانات بدرجة كبيرة على اعترافات انتُزعت في ظروف وثّقتها منظّمات حقوقية عديدة بوصفها قسرية. ويُخفّض القانون الجديد شرط الإجماع القضائي اللازم لإصدار حكم الإعدام من الإجماع التام إلى الأغلبية البسيطة، ويلغي السلطة التاريخية للقائد العسكري في تخفيف الأحكام، ويحظر العفو، ويُلزم تنفيذ الإعدام خلال 90 يوماً، ويقيّد الاستئناف. وفي الوقت نفسه، تفيد بيانات منظّمات حقوقية بأنَّ نحو 93% من الشكاوى المقدّمة بشأن عنف المستوطنين الموجّه ضدّ الفلسطينيين تُغلق من دون توجيه اتهامات. وهكذا، يُدخل القانون عقوبة إعدام معجّلة ضمن نظام يضمن، في الوقت نفسه، إفلاتاً شبه تام من العقاب على العنف المميت المرتكب في الاتجاه المعاكس.
وتشمل هذه الانتهاكات ثلاثة فروع من القانون الدولي. فبموجب القانون الدولي الإنساني، لا تجيز المادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلّة إلا بشروط محدّدة: أن تكون الجريمة معاقباً عليها بالإعدام بموجب القانون الساري قبل الاحتلال، وأن تقتصر على جرائم التجسّس أو التخريب الجسيم أو القتل العمد. ويُعدّ تحديد مهلة تنفيذ الإعدام بـ90 يوماً انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، كما صرّح المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كذلك، يخالف حظر تخفيف العقوبة البروتوكول الإضافي الأول الذي يكفل الحقّ في طلب العفو. وقد وصف المفوّض تطبيق القانون على سكّان الأراضي الفلسطينية المحتلّة بأنَّه جريمة حرب.
وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يقصر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عقوبة الإعدام على أشدّ الجرائم خطورة، مع ضمانات إجرائية صارمة. ويؤكّد التعليق العام الصادر عن لجنة حقوق الإنسان عام 2018 أنَّ الحكم الإلزامي بالإعدام، الذي يلغي السلطة التقديرية للقضاة، يُعدّ تعسّفياً في حدّ ذاته. كما تحظر المادة 26 التمييز في القانون على أسس تشمل الأصل القومي. ويشكّل نظام عقوبة الإعدام الذي يتوقّف تطبيقه كلياً على النظام القضائي المتخصّص الذي يتحدّد هذا الاختصاص فيه بناءً على ما إذا كان المتهم فلسطينياً أم إسرائيلياً، تطبيقاً تمييزياً لعقوبة الإعدام.
وبموجب القانون الجنائي الدولي، يندرج هذا القانون ضمن إطار الفصل العنصري، أي الأفعال اللاإنسانية المرتكبة في سياق نظام مؤسّسي للقمع والهيمنة المنهجية تمارسه جماعة عرقية على أخرى. ويندرج ضمن هذا التعريف نظام عقوبة الإعدام المتباين الذي يُطبّق على جماعة قومية دون أخرى داخل الإقليم نفسه، ويُدار من خلال أنظمة محاكم منفصلة ذات ضمانات إجرائية ونسب إدانة متفاوتة تفاوتاً كبيراً.
وتكمن المشكلة الهيكلية الأعمق في العلاقة بين الإجراءات الديمقراطية والشرعية الموضوعية، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان يميّز بوضوح بينهما، ولا تعالج الشرعية الإجرائية، أي انتظام التصويت البرلماني، انعدام الشرعية الموضوعية. ويقوم هيكل الالتزامات التعاهدية برمّته على أساس أنَّ بعض الحقوق غير قابلة للانتقاص بغض النظر عمّا تقرّره الأغلبية التشريعية المحلّية. ولا يغيّر إقرار البرلمان لهذا التقييم شيئاً. فقد سُنّ قانون الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عبر البرلمان، وسُنّت قوانين نورمبرغ عبر الرايخستاغ. وقد قام إطار حقوق الإنسان لما بعد عام 1945 تحديداً على إدراك أنَّ الانتظام الإجرائي لا يوفّر أيّ ضمانة ضدّ التمييز المنهجي حين يُحرم السكّان المتضرّرون من تمثيل سياسي فعّال في الهيئة التشريعية. فالفلسطينيون في الضفة الغربية لا يملكون حقّ التصويت في الكنيست، ولا صفةً قانونيةً في المحاكم المدنية الإسرائيلية، ولا صلاحيةً للطعن في اختصاص المحاكم العسكرية. وقد صوّتت على القانون هيئةٌ لا تخضع للمساءلة الانتخابية أمام السكّان الذين يؤثّر فيهم بشكل أساس.
ويكشف القانون حالةً هيكليةً تتعايش فيها الصورة الديمقراطية والمضمون التمييزي من دون تناقض على المستوى المحلّي، بحيث تصبح الآليات التصحيحية الوحيدة ذات طابع دولي. والسؤال المطروح: هل ستنجح هذه الآليات؟






