أهمية الخطوة
قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن إعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بنظام الأسد، مقرونة بملفات وتقارير قانونية، يمثل خطوة مهمة في بناء منظومة المساءلة، بشرط استيفاء معايير دقيقة في إعدادها.
وأضاف عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن القانون الجنائي الدولي لا يعتد بأي قائمة، ما لم تُرفق بأدلة تُوثّق الصلة الفردية بين كل شخص والجرائم المرتكبة، إذ إن المسؤولية الجنائية الدولية فردية بطبيعتها، كما كرّستها المادة “25” من “نظام روما الأساسي” و”مبادئ نورمبرغ”.
وبيّن أن القوائم المدعومة بملفات موثوقة تؤدي وظائف متعددة في آن واحد، فهي تُشكّل سجلًا قانونيًا قابلًا للتقاضي أمام آليات المحاسبة المستقبلية، سواء كانت محاكم وطنية أو دولية أو هجينة، كما أنها تتيح توجيه إجراءات التجميد والمصادرة بدقة، بدلًا من تطبيقها بصورة جماعية غير مشروعة، إضافة إلى أنها تُغذّي آليات العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة والتحقيق، بمادة أولية وثيقة الصلة بتحديد الأنماط المؤسسية للانتهاكات.
وأشار مدير “الشبكة السورية” إلى أهمية أن تُبنَى هذه القوائم وفق منهجية للتحقق من المصادر، لأن التوثيق الموثوق يقتضي التثليث بين مصادر مستقلة متعددة، والتمييز بين الانتماء التنظيمي والمشاركة الفعلية في الجرائم، والالتزام بمبدأ عدم إدراج أي اسم من دون أساس قانوني مثبت.
ونوه إلى أن أي إخلال بهذه المعايير يُحوّل القائمة من أداة للمحاسبة إلى أداة للإقصاء السياسي، بما يضعف مشروعية المسار برمّته.
الآليات القانونية المطلوبة لضبط العملية
أصدرت وزارة العدل السورية، في 19 من نيسان الحالي، تعميمًا بشأن منع تهريب رموز النظام السابق للممتلكات العقارية، داعية القضاة إلى المعاينة الميدانية واستجواب الشاغلين للتصدي للبيوع الصورية.
وأكدت الوزارة أن التعميم يهدف لضمان حقوق الدولة والمتضررين وحماية المال العام من التلاعب تحت رقابة مشددة.
وأشارت إلى ضرورة إبلاغ الوزارة بأي من الحالات السابقة مع بيان أسماء المشتركين في محاولة تهريب ملكية العقار، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، قال إن تعميم وزارة العدل، على أهميته كخطوة إجرائية لازمة، لا يعتبر كافيًا بذاته، فالمعايير الدولية تلتزم حزمة من الآليات المتكاملة، أولاها تجميد فوري ومؤقت للأصول العقارية لأي شخص يصنف ضمن القائمة، يستند إلى أمر قضائي بحكم طابعه الإلزامي، لا إلى مجرد تعميم إداري قابل للتحايل.
وتتضمن الآلية الثانية، بحسب عبد الغني، ربط السجلات العقارية بقواعد بيانات المشتبه بهم، الأمر الذي يقتضي إنشاء نظام رقمي يتيح للقضاء والنيابة العامة الاطلاع الفوري على ارتباط اسم البائع بأي قائمة تحقيق معلّقة، بما يحدّ من الفجوة الزمنية بين وقوع الانتهاك وكشفه.
بينما تشمل الآلية الثالثة، إلزامية الكشف الميداني الذي أرساه التعميم الصادر عن الوزارة من اشتراط المعاينة الفعلية واستجواب الشاغلين والتحقق عبر شهادات الجوار، وهو ما يتقاطع مع معايير الإجراءات القانونية الواجبة، بما يضمن عدم تحوّل المحاكم إلى أداة لتبييض عمليات النقل الصوري.
كما تشمل الآلية الأخيرة، وفق مدير “الشبكة السورية”، الملاحقة بتهمة الإثراء غير المشروع، وهو ما يتطلب تطوير إطار قانوني يجيز الملاحقة بتهمة الإثراء غير المشروع حتى في غياب الشخص، بما يجعل أي نقل ملكية لاحق موجبًا للإبطال القانوني.
الآثار المترتبة على الخطوة
وأشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن الخطورة في تصرف المرتبطين بالنظام ببيع عقاراتهم، يتمثل في تجريد جبر الضرر من مضمونه المادي، موضحًا أن التعويض، بوصفه إحدى الركائز الأربع للعدالة الانتقالية، لا يتحقق بمجرد صدور أحكام إدانة، بل يستلزم وجود أصول قابلة للتحصيل، وحين يُنقل العقار صوريًا قبل صدور أي إجراء قضائي، يُفرّغ مفهوم التعويض من معناه العملي في حق الضحايا.
أما الأسلوب الذي كشفه التعميم، أي البيع بطريق “الإقرار أمام المحكمة”، فيمثل بحسب عبد الغني، آلية احتيال قانوني موثقة تُستغل فيها المنظومة القضائية لإضفاء الشرعية على نقل الملكية الصوري.
إشكالية التعريف.. من هم “رموز النظام”؟
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال إن التحديد الدقيق للفئة المقصودة يمثل الإشكالية القانونية الرئيسة في هذا الملف، وهو ما تُثيره “الشبكة” في تقاريرها، موضحًا أن التعميم الحالي استخدم عبارة “رموز النظام البائد والمشتركين في الجرائم” بصياغة عامة، وهذا الغموض يُولّد مخاطر قانونية مزدوجة، تشمل الإفراط في التجريم بإدراج أشخاص لا أساس قانونيًا لملاحقتهم، أو التضييق المتعمّد لحماية فئات بعينها.
وأضاف عبد الغني أن التحديد القانوني الدقيق يتطلب التمييز بين ثلاث فئات مفاهيمية، تتمحور حول المسؤولية القيادية المباشرة، والمستفيدين الماليين من الجرائم، والمنتسبين التنظيميين، ويشترط أن يُطبّق بحقهم افتراض قابل للدحض، لا إدانة تلقائية.
وأوضح عبد الغني أن قيود بيع العقارات ينبغي أن تنصبّ من الناحية العملية على الفئتين الأولى والثانية على سبيل الأولوية، استنادًا إلى فئات التمييز السابقة، مع اشتراط صدور قرار قضائي مسبب لإدراج أي اسم في القائمة، وإتاحة آلية للطعن والتظلم بوصفها ضمانة لا يجوز التنازل عنها، تفاديًا لتحوّل المنظومة إلى إجراءات انتقامية تفقدها مشروعيتها الدولية.






