في ظل اتساع حجم الانتهاكات وتعدد الجهات المتورطة، ظهرت خلال السنوات الماضية جهود حقوقية وتقنية واسعة هدفت إلى جمع الأدلة وحفظها وتوثيق شهادات الضحايا والناجين، وهو ما تحدث عنه مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني خلال حديثه لـ”الثورة السورية”.
وأوضح عبد الغني أن الشبكة عملت منذ سنوات على بناء قاعدة بيانات واسعة خاصة بالانتهاكات المرتكبة في سوريا، معتمدةً على التحقق المتقاطع من الشهادات والوثائق والصور والمصادر الميدانية، بهدف توثيق الجرائم وفق معايير يمكن الاستناد إليها في مسارات المحاسبة القضائية مستقبلاً.
وأوضح عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت خلال السنوات الماضية نطاقاً واسعاً من الانتهاكات المرتكبة في سوريا، شملت مقتل 202,021 مدنياً، بينهم 23,138 طفلاً و12,036 سيدة، إضافة إلى مقتل 662 من الكوادر الطبية و559 من الكوادر الإعلامية، فيما لا يزال 160,123 شخصاً مختفين قسرياً، بينهم 3,736 طفلاً و8,014 سيدة.
كما وثّقت الشبكة مقتل 45,032 شخصاً تحت التعذيب، و566 اعتداءً على منشآت طبية، و1,287 اعتداءً على مدارس ورياض أطفال، إضافة إلى 1,042 اعتداءً على أماكن عبادة، إلى جانب توثيق استخدام البراميل المتفجرة والهجمات الكيميائية والذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة، وما تسببت به هذه الانتهاكات من موجات نزوح ولجوء واسعة.
كيف تُجمع الأدلة على الانتهاكات؟
وأشار عبد الغني إلى أن المنهجية تقوم على التحقق من مصادر متعددة قبل إدراج أي حادثة ضمن قاعدة البيانات، مع الاعتماد على آلاف المصادر الميدانية المنتشرة في مختلف المحافظات السورية، وتشمل الناجين من الاحتجاز والهجمات، وأسر الضحايا، والشهود المباشرين، والناشطين المحليين، والعاملين في المجالين الطبي والإغاثي.
وعلى الصعيد التقني، جرى تطوير فريق متخصص بالبرامج الإلكترونية يتيح أرشفة البيانات وتصنيفها بصورة تلقائية وفق متغيرات دقيقة، تشمل المحافظة، والجنس، والفئة العمرية، وتاريخ الحادثة، وآلية القتل أو الاحتجاز، والجهة المنفذة، ونوع السلاح المستخدم.
كما تتضمن قواعد البيانات صور الضحايا والوثائق المرئية، التي تخضع لعملية تحقق مستقلة قبل اعتمادها، بما يضمن موثوقية المعلومات وإمكانية الاستفادة منها ضمن مسارات التوثيق والمحاسبة.
وفي ما يتعلق بالأسلحة المحظورة، مثل الأسلحة الكيميائية وذخائر الكاسيت والبراميل المتفجرة، قال عبد الغني إنه تم إلى جانب الشهادات، الاعتماد على تحليل الصور والمقاطع المرئية، وصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، والبيانات الجوية وقت الهجوم، إضافة إلى إفادات الأطباء الذين عالجوا المصابين.
وأشار إلى أن الشبكة واجهت تحديات أمنية وميدانية معقدة، إذ تعرض عدد من المحققين للاعتقال أو التهديد، كما واجهت الفرق صعوبة في الوصول إلى كثير من مواقع الحوادث داخل مناطق سيطرة النظام المخلوع والمناطق النشطة.
وكانت العديد من الأسر تتجنب الإدلاء بالمعلومات خشية تعرض ذويها المعتقلين أو أفرادها للانتقام، وهو ما وثقته الشبكة بوصفه نمطاً ممنهجاً من الترهيب.
وعلى الصعيد المؤسسي، أوضح عبد الغني أن الشبكة واجهت تراجعاً في ثقة بعض الأسر والشهود بجدوى التوثيق، نتيجة إخفاق المجتمع الدولي في تحويل الوثائق والأدلة إلى ضغط فعلي أو محاسبة حقيقية.
أما في ما يتعلق بالبيانات، فأشار إلى أن النظام المخلوع ظل يرفض الاعتراف بحالات الاعتقال أو الوفيات داخل مراكز الاحتجاز، ما جعل التحقق المستقل أكثر صعوبة، ودفع الشبكة إلى اعتماد آلية التحقق المتقاطع عبر مصادر متعددة قبل إغلاق أي ملف.
من التوثيق إلى المحاكم الدولية
وأشار إلى أن وثائق الشبكة تشكل جزءاً من مواد الملاحقة الجنائية التي يجري العمل عليها ضمن مسارات التقاضي الدولية، فهي تُعد مصدراً رئيسياً لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فيما يتعلق بتحليلات حصيلة الضحايا في سوريا، كما تعمل ضمن منظومة متكاملة من القنوات الدولية، من خلال تزويد مجلس حقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا ببيانات موثقة وتحليلات دورية حول الانتهاكات المرتكبة، كما أسهمت في دعم ملفات التقاضي القائمة على مبدأ الاختصاص العالمي في ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا، حيث صدرت بالفعل أحكام بإدانة عناصر من النظام المخلوع.
وبيّن عبد الغني أن جميع الوثائق تُعد وفق معايير قبول الأدلة أمام المحاكم الدولية، بما يشمل سلسلة حفظ الأدلة، وتوثيق مصادرها، والفصل بين الوقائع والتقديرات.
وفيما يتعلق بحماية الشهود، أكد أهمية إطلاع كل شاهد أو ناجٍ أو أسرة ضحية بصورة مسبقة وكاملة على منهجية العمل وأهدافه، موضحاً أن لهم الحق الكامل في إخفاء هوياتهم أو استخدام أسماء مستعارة، ورفض نشر أي معلومات تتعلق بهم.
وأشار إلى أن الشبكة تحتفظ بهويات الشهود ضمن أرشيف مؤمَّن ومفصول تقنياً عن قاعدة البيانات العامة، مع وجود نسخ احتياطية مخزنة في مواقع متعددة، أما في ما يتعلق بالتعامل مع الضحايا وأسرهم، فأوضح أن هذا الملف يُدار وفق مبادئ حقوق الإنسان المرتبطة بالتعامل مع الصدمات النفسية، حيث يتم إبلاغ الأسر بما يجري توثيقه، مع الحفاظ على تواصل مستمر بشأن التطورات المتعلقة بملفات ذويهم، دون خلق توقعات مبالغ فيها حول مسارات المحاسبة.
واعتبر أن تحقيق التوازن بين الشفافية والرعاية النفسية يشكل جزءاً أساسياً من منهجية العمل، لأن الأسر، بحسب وصفه، ليست مجرد مصادر للمعلومات، وإنما أطراف أصيلة في قضية العدالة، موضحاً أن تحقيق المحاسبة لا يمكن أن يتم عبر مسار واحد، كما أكد أن التجربة السورية تفرض وجود منظومة متكاملة لتحقيق العدالة.
وأشار إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في صون الأدلة وتأمينها، بما يشمل سجلات الاحتجاز، والمشارح، والمستشفيات، والسجلات المدنية التابعة للنظام المخلوع، بالتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ولجنة التحقيق الأممية.
وأضاف أن الخطوة الثانية تتمثل في الاستمرار بمسارات التقاضي الدولية، بما فيها ملفات الاختصاص العالمي في أوروبا، إلى جانب المطالبة بإنشاء محكمة ذات اختصاص جنائي دولي خاصة بسوريا، كما شدد على أهمية إنشاء هيئة للحقائق والمصالحة الوطنية تستند إلى المعايير الدولية، مع منح الضحايا دوراً محورياً في هذا المسار.
وأشار أيضاً إلى ضرورة إصلاح المنظومة القانونية والقضائية في سوريا، بما يضمن استبعاد المتورطين في الانتهاكات من أي مواقع داخل الأجهزة الأمنية أو السلطة القضائية.






