في تصريح خاص لإذاعة دمشق أكد المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان الأستاذ فضل عبد الغني تمكُّن الشبكة من بناء قاعدة بيانات فردية وتراكمية، وهي ثمرة عمل متواصل منذ عام 2011، وقد وثّق آخر تحديث شامل منشور لدى الشبكة ما لا يقل عن 177,057 شخصاً ما زالوا في عداد المختفين قسرياً حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 امرأة.
وأضاف عبد الغني أن التوثيق ينسب 160,123 حالة إلى مراكز احتجاز النظام البائد؛ أي نحو 90 بالمئة من الحصيلة و16,934 حالة إلى بقية أطراف النزاع والقوى المسيطرة.
وأشار إلى أن هذا الرقم يمثّل حصيلة الحالات التي استطاعت الشبكة توثيقها فردياً وفق منهجها، وهو قابل للزيادة؛ لأن سقوط النظام البائد أتاح الوصول إلى مناطق ومعلومات ووثائق وشهود لم يكن الوصول إليهم ممكناً من قبل.
ونوَّه مدير الشبكة بأنه تم الكشف عن حالات لمحتجزين كانوا مسجَّلين ضمن تصنيفات أخرى ثم أُعيد تصنيفهم مختفين قسرياً بعد تعذُّر العثور عليهم أو الحصول على معلومات رسمية عن مصيرهم.
وفي المقابل، قد تخضع بعض الحالات لإعادة التصنيف عند ثبوت الإفراج عن الشخص أو العثور عليه حياً أو التحقق بصورة موثوقة من وفاته وتحديد رفاته بحسب تصريحه.
ولذلك فقد يؤدي تحديث قاعدة البيانات إلى زيادة بعض الفئات وانخفاض فئات أخرى؛ فالمعيار هو الدليل لا الرغبة في تضخيم الرقم أو تقليصه وفقاً لعبد الغني.
ولدى سؤال مدير الشبكة عن مدى دقة الأرقام وأبرز تحديات التوثيق، أجاب بأن دقة التوثيق تعني أن ترتبط كل حالة بملف فردي يتضمن – بقدر ما تسمح به المعلومات – الاسمَ والبيانات الشخصية وتاريخ الحرمان من الحرية ومكانه والجهة المسؤولة وآخر مكان احتجاز أو مشاهدة ومصادر المعلومات والتحديثات اللاحقة.
وأضاف أن البيانات تُراجع عبر المقارنة بين شهادات العائلات والناجين والشهود والوثائق الرسمية والمسرّبة والمصادر المفتوحة والمعلومات الواردة من الجهات المحلية.
وأشار مدير الشبكة إلى أي حالة لا تُعتمَد لمجرد ورود الاسم في قائمة متداولة، بل تُجرى مطابقة متقاطعة بين مصادر مستقلة وتحقيق متعدد المستويات، إلى جانب مراجعة مستمرة لمنع التكرار وتصحيح الأخطاء.
ولهذا نصف الحصيلة – بحسب تصريحه – بأنها «ما لا يقل عن»، فالمصداقية لا تعني الادِّعاء بأننا أحصينا جميع المختفين، بل تعني أن الرقم المنشور أكثر تحفُّظاً من الحجم المرجَّح للجريمة، كما يجب التمييز بين دقة الحالات المسجلة واكتمال التغطية؛ إذ قد تكون ملفات الحالات المدرجة دقيقة، في حين يبقى عدد كبير من الحالات خارج نطاق التوثيق بسبب غياب المعلومات أو عدم كفايتها.
وتتمثل أبرز التحديات في الطبيعة السرية للجريمة وإنكار الاحتجاز وخوف العائلات والشهود والتهجير وتشتت المصادر ووفاة شهود رئيسيين وتغيير الأسماء والكُنى وتعدُّد أجهزة الاعتقال والتنقل بين الفروع والسجون والمستشفيات العسكرية فضلاً عن إتلاف السجلات أو تزويرها حسبما أشار مدير الشبكة.
ونوَّه عبد الغني بأنه وبعد سقوط النظام برزت تحديات إضافية من بينها الحجم الهائل للوثائق وسوء حفظ بعضها والعبث بمواقع الاحتجاز والمقابر وتداول قوائم غير موثَّقة والابتزاز المالي للعائلات وضعف القدرات الوطنية في مجالات الطب الشرعي وإدارة البيانات والتعرف الجيني.
وقد أشارت أحدث تقارير الشبكة إلى أن إمكانيات الوصول الجديدة أتاحت توثيق آلاف الحالات، لكنها ضاعفت أيضاً الضغوط الفنية والميدانية على فرق العمل.
وعند الاستفسار عن لجوء النظام البائد إلى تسجيل مختفين قسرياً متوفين في السجل المدني، أكد مدير الشبكة إلى أن الوثائق التي لدى الشبكة أثبتت وجود عملية بيروقراطية شاركت فيها أجهزة الأمن والشرطة العسكرية والجهات الطبية والسجل المدني، وانتهت في آلاف الحالات إلى تسجيل المختفي متوفى دون إخطار أسرته أو تسليم جثمانه أو تحديد مكان دفنه أو بيان السبب الحقيقي لوفاته.
وكانت الشبكة قد وثّقت _ وفقاً للشبكة _ حتى آب/أغسطس 2024 تسجيل ما لا يقل عن 1,634 مختفياً قسرياً متوفين في السجلات المدنية دون الكشف عن أسباب الوفاة أو تسليم الجثامين.
وبيَّن عبد الغني أنه في حدود ما كشفَت عنه الشبكة لا وثيقةَ واحدةً تعلن الغرض السياسي من هذه السياسة، غير أن النمط المتكرر يسمح باستخلاص وظائفها العملية ومنها: إغلاق الملف إدارياً دون كشف حقيقة الاحتجاز، وإخفاء الصلة بين أجهزة الأمن والوفاة، والتستر على التعذيب والقتل داخل مراكز الاحتجاز، ونقل العبء القانوني والنفسي إلى الأسرة، وتنظيم الآثار المترتبة على الغياب في مسائل الميراث والزواج والملكية دون الوفاء بالحق في الحقيقة أو إجراء تحقيق فعلي.
ولا تنهي _ بحسب مدير الشبكة _ شهادة الوفاة جريمة الاختفاء لمجرد وجود قيد في السجل المدني، فإذا ظل مكان الجثمان وظروف الوفاة مجهولَين ولم يُحدَّد الرفات أو يُسلّم إلى الأسرة ولم يُكشف مسار الاحتجاز والمسؤولون عنه، فإن عناصر أساسية تتعلق بالمصير والمكان تبقى غير معلومة.
كما قد يشكل القيد المدني دليلاً أولياً مهماً، لكنه لا يثبت بمفرده السبب الطبي الحقيقي للوفاة أو المسؤولية الجنائية الفردية.
التعاون المحلي والدولي الذي تسعى إليه الشبكة
أكد عبد الغني أن الشبكة بدأت محلياً بمسار محدَّد للتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين المنشَأة بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025، وقد عُقد اجتماع تأسيسي معها في دمشق في أيلول/سبتمبر 2025 عُرضَت قاعدة بيانات الشبكة خلاله، بالإضافة لبحث سبل تطوير آليات جمع المعلومات وتشكيل فرق البحث والتحقيق، وإعداد برامج الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات.
ونوَّه مدير الشبكة بأنه يجب أن يتجاوز التعاون المطلوب تبادلَ القوائم فقط، ليتجه نحو إنشاء نظام وطني متكامل يربط الهيئة بالسجل المدني والنيابات العامة ووزارات العدل والداخلية والدفاع والصحة والطب الشرعي وإدارات السجون والمستشفيات والمقابر.
وأشار إلى أن ذلك يتطلَّب ضمانات تكفل استقلال الهيئة وشمول ولايتها جميعَ الحالات بصرف النظر عن هوية الجهة المسؤولة وقدرتها على الوصول إلى الأرشيفات والمواقع وحماية البيانات من الاستغلال الأمني أو السياسي.
وعلى الصعيد الدولي، أشار عبد الغني إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة والآلية الدولية المحايدة والمستقلة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا واللجنة الدولية لشؤون المفقودين.
ويجب التمييز بين اختصاصات هذه الجهات؛ فالمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين مكلَّفة بتوضيح مصير جميع المفقودين وأماكنهم ودعم الضحايا والناجين والعائلات، في حين تتمثل الوظيفة الأساسية للآلية الدولية المحايدة والمستقلة في إعداد الملفات والتحليلات لتيسير الملاحقات الجنائية، وليست هيئةً للبحث الإنساني عن المفقودين.
كيف يمكن ضمان محاسبة المسؤولين عن الاختفاء القسري؟
أجاب مدير الشبكة بأن المحاسبة تحتاج إلى بنية وطنية قادرة على الانتقال من القوائم العامة إلى ملفات تحدد المسؤولية الفردية، ويتطلب ذلك تجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة وتعريفه تعريفاً دقيقاً وإقرار المسؤولية عن إصدار الأوامر والتنفيذ والمساعدة والتستر ومسؤولية الرؤساء والقادة، فضلاً عن تجريم عرقلة عمليات البحث أو إتلاف الأرشيفات والرفات والأدلة.
وأضاف: يجب أن تركز التحقيقات على منظومة الجريمة لا على المنفذين من المستويات الدنيا وحدهم؛ من أصدر أوامر الاعتقال، من أدار الفروع والسجون، من أشرف على التحقيق والتعذيب، من أعد قوائم الوفيات، من نقل الجثامين، من أصدر القيود المدنية، ومن اتخذ التدابير الرامية إلى إخفاء المصير أو منع التحقيق، ويقتضي ذلك الجمع بين الأدلة الوثائقية وشهادات الناجين وبيانات المقابر والأدلة الطبية والرقمية وهياكل القيادة وسلاسل رفع التقارير.
ويُعد _ بحسب مدير الشبكة _ الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية عندما يكون جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجياً موجَّهاً ضد سكان مدنيين مع علم الجاني بذلك الهجوم، وهذا ما كان عليه الحال في عهد نظام الأسدين.
إلامَ تحتاج عائلات الضحايا، وما دور الشبكة؟
أكد عبد الغني أن الاحتياج الأول للعائلات يتمثل في الحصول على جواب فردي وموثوق: هل الشخص حي أم متوفى؟ أين احتُجز؟ ماذا حدث له؟ أين رفاته؟ ومن المسؤول؟ غير أن احتياجات العائلات لا تقتصر على الحصول على المعلومات، بل تشمل أيضاً الحماية من الابتزاز والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية والحصول على الوثائق المدنية وإدارة أموال الغائب وممتلكاته والوصاية على الأطفال وقضايا الإرث والتعليم والرعاية الصحية والتعويض وإعادة التأهيل والاعتراف الرسمي بالانتهاك.
ويجب كذلك ألا تُجبر الأسرة على إعلان وفاة المفقود لكي تتمكن من الحصول على حقوقها الاقتصادية أو الإدارية، بل ينبغي إنشاء وضع قانوني خاص بالمفقود يحفظ مصالح الزوج أو الزوجة والأطفال والممتلكات دون إنهاء شخصيته القانونية، أو افتراض وفاته قبل وجود الدليل.
وأشار عبد الغني إلى أن دور العاملين في الشبكة يتمثل في استقبال المعلومات وتوثيقها وتحديثها، وحفظ الوثائق والشهادات، وإبلاغ العائلات بما يثبت من معلومات بعد تقييم المخاطر، وإحالة الملفات إلى الجهات المختصة وفق ضمانات الحماية، وتقديم المعلومات القانونية، وربط العائلات بجهات الدعم المتخصصة، ومراقبة أداء المؤسسات الوطنية والدولية.
وأضاف: كما نعمل على ضمان مشاركة العائلات في صياغة سياسات البحث والتعويض وإحياء الذكرى بدلاً من التعامل معها بوصفها مجرد مصادر للبيانات، وتجمع ولاية المؤسسة الأممية نفسها بين توضيح المصير والمكان ودعم الضحايا والناجين والعائلات، بما يؤكد أن البحث والدعم وظيفتان متلازمتان.
ووضح مدير الشبكة إلى أنه يجب أن نكون واضحين، فلا تستطيع منظمة حقوقية أن تحل محل سلطة وطنية مختصة بالبحث أو مختبرات الطب الشرعي أو النيابة العامة أو منظومة الحماية الاجتماعية.
بل يتمثل دور الشبكة في إنتاج معرفة موثوقة وحماية الأدلة وتيسير الوصول والدفاع عن حقوق العائلات ومساءلة المؤسسات عن أدائها.
كيف ينظر القانون الدولي إلى الاختفاء القسري؟
أكد مدير الشبكة أن الاختفاء القسري جريمة مركَّبة تبدأ بحرمان شخص من حريته، ثم إنكار هذا الحرمان أو إخفاء مصيره بما يضعه خارج نطاق حماية القانون.
ووفقاً لاتفاقية عام 2006 يرتبط التعريف بأفعال موظفي الدولة أو الأشخاص أو مجموعات الأفراد الذين يتصرفون بإذنها أو دعمها أو موافقتها، أما الأفعال المماثلة التي ترتكبها جماعات غير حكومية لا صلةَ لها بالدولة، فتُلزم المادة الثالثة الدول بالتحقيق فيها وإحالة المسؤولين عنها إلى العدالة وإن لم تدخل حرفياً ضمن تعريف المادة الثانية.
ويمثِّل الاختفاء القسري – بحسب عبد الغني – اعتداءً متداخلاً على الحق في الحرية والأمان الشخصي والاعتراف بالشخص أمام القانون والحماية من التعذيب، والحق في الحياة في حالات كثيرة، والحق في الانتصاف الفعال، وحق الأسرة في معرفة الحقيقة، كما أن المعاناة المتعمدة والممتدة التي تلحق بالعائلات قد تشكل في ذاتها وبحسب الوقائع معاملة قاسية أو لا إنسانية.
وتتميز هذه الجريمة بطابعها المستمر، فهي لا تنتهي عند لحظة الاعتقال أو الوفاة، بل تستمر ما دام مصير الشخص ومكانه غير محدَّدَين بصورة موثوقة، وإذا ثبتت الوفاة فلا يكفي القول: إن الشخص قد مات، بل ينبغي – بحسب الظروف – الكشف عن وقت الوفاة وسببها وتحديد هوية الرفات، وعندما يُرتكب الاختفاء القسري في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد سكان مدنيين، ووفق العناصر التي يحددها نظام روما، فقد يشكل جريمةً ضد الإنسانية وفقاً لمدير الشبكة.
ويشمل تعريف نظام روما الأفعال المرتبطة بدولة أو منظمة سياسية، ولذلك يمكن من حيث المبدأ أن ينطبق على تنظيمات غير حكومية تستوفي وصف “المنظمة السياسية” فضلاً عن بقية العناصر السياقية والذهنية للجريمة.
وفي سياق النزاع المسلَّح أكد مدير الشبكة أن قواعد القانون الدولي الإنساني تفرض على الأطراف اتخاذ جميع التدابير الممكنة للبحث عن الأشخاص المبلَّغ عن فقدهم وجمع المعلومات المتعلقة بمصيرهم وإبلاغ عائلاتهم واستعادة جثامين الموتى وتحديد هوياتهم والتعامل مع رفاتهم باحترام.
وما تزال سوريا – بحسب مدير الشبكة – غيرَ منضمة إلى الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، ومع ذلك فهي ملزَمة بالحقوق ذات الصلة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني وحظر الجرائم ضد الإنسانية متى انطبقت عناصرها.
كما تشكل الاتفاقية مرجعاً معيارياً أساسياً لإصلاح التشريع السوري، ويبلغ عدد الدول الأطراف فيها حالياً 78 دولة.
ما رسالة الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى عائلات الضحايا؟
قال مدير الشبكة خلال تصريحه: رسالتي الأولى هي أن حقكم في معرفة الحقيقة لا يسقط، وأن المختفي ليس رقماً ولا ملفاً إدارياً.
ولا ينبغي أن تُجبر أي عائلة على قبول شهادة وفاة مبهَمة أو رواية شفوية أو قائمة غير موثقة، أو التنازل عن حقها في معرفة مكان الجثمان وظروف الوفاة ومحاسبة المسؤولين.
وأضاف: لكن من واجبنا أيضاً أن نكون صادقين؛ هذا المسار طويل ومعقد، وقد تكون بعض الإجابات مؤلمة، ولا يجوز لأي جهة أن تقدِّم وعوداً لا تستند إلى دليل؛ ففتح السجون أو العثور على مقبرة لا يعني أن الحقيقة باتت مكتملةً وجاهزةً؛ إذ يتطلب التعرُّف إلى الرفات عملاً علمياً وقانونياً دقيقاً قد يستغرق سنوات.
ودعا مدير الشبكة العائلات إلى حفظ جميع الوثائق والصور والرسائل والأسماء والتواريخ، وإلى عدم تسلّم الوثائق الأصلية إلا بموجب إيصال واضح، وإلى الامتناع عن دفع أموال إلى وسطاء يزعمون امتلاك قوائم أو معلومات سرية، كما دعا إلى عدم فتح المقابر أو تحريك الرفات بصورة فردية؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى اختلاط البقايا وضياع الهوية وإفساد الأدلة.
ونوَّه عبد الغني بأن التزامنا كشبكة لحقوق الإنسان هو أن تبقى العائلات شريكاً في تصميم آليات البحث والعدالة وجبر الضرر، وأن تُحترم خصوصيتها وحقها في اختيار مقدار المعلومات التي تتلقاها والطريقة التي تُقدّم بها إليها، ولا ينبغي أن تكون العائلات آخرَ من يعلم أو مجرد متلقٍّ لقرارات تتعلق بأحبائها.
أولويات الشبكة في البحث والتوثيق
تتركز الأولويات وفقاً لمدير الشبكة في المرحلة الحالية في مسارات مترابطة:
- أولاً: حماية المواقع والأدلة، فيجب تأمين الأرشيفات ومقارِّ الأجهزة الأمنية والسجون السابقة والمستشفيات العسكرية والمشارح والمقابر الجماعية ومنع الدخول غير المنظَّم إليها أو التصوير والعبث بها أو إزالة الوثائق والرفات منها.
ويوفر بروتوكول بورنموث إرشادات مهمة لحماية المقابر والتحقيق فيها، لكنه يجب أن يُطبَّق في إطار وطني قانوني وعلمي متكامل.
- ثانياً: مراجعة قاعدة البيانات وتنقيتها، ويشمل ذلك مطابقة الأسماء مع بيانات السجل المدني ووثائق السجون والمستشفيات وقوائم الإفراج وشهادات الناجين وبيانات المقابر، فضلاً عن معالجة تكرار الأسماء واختلاف طرائق كتابتها والكنى وإعادة تصنيف الحالات عند ظهور أدلة جديدة.
- ثالثاً: جمع معلومات ما قبل الفقد، وتشمل المعلومات الشخصية والطبية وبيانات الأسنان والملابس والإصابات والعلامات المميزة، إلى جانب جمع العينات المرجعية من الأقارب في إطار موافقة مستنيرة ونظام صارم لحماية البيانات، ولا ينبغي جمع عيِّنات الحمض النووي بصورة متفرقة أو دون مختبرات معتمَدة وسلسلة حيازة واضحة.
- رابعاً: إعادة بناء مسار الاحتجاز، فالأولوية لا تقتصر على معرفة أن الشخص قد اعتُقل، بل تشمل تحديد الجهة التي نفذت الاعتقال، ومراحل نقله بين الفروع والسجون والمستشفيات والمسؤولين في كل مرحلة، والوثائق والأوامر المرتبطة بها، ومكان الوفاة أو الدفن المحتمل.
- خامساً: حماية العائلات والشهود، فيجب تطبيق مبدأ عدم الإضرار ومنع كشف الهوية أو البيانات الحساسة ووضع بروتوكولات واضحة للإبلاغ عن الوفاة وتقديم الدعم النفسي قبل نقل المعلومات الصادمة وبعده.
- سادساً: تنظيم تبادل المعلومات، إذ نحتاج إلى تحقيق قابلية التشغيل المتبادل بين قواعد البيانات الوطنية والدولية، ولكن دون إنشاء قاعدة مركزية غير محمية، أو منح جهة واحدة سلطة مطلقة على بيانات الضحايا.
ويجب تحديد الصلاحيات وأغراض الاستخدام، ومستويات الوصول وآليات التدقيق والتظلم.
- سابعاً: تحويل التوثيق إلى نتائج فالنجاح، لا يُقاس بعدد الأسماء المخزنة فحسب، بل بعدد الذين كُشف مصيرهم، ورُفات من حُددت هويتهم وأُعيد إلى عائلاتها، والملفات التي تحولت إلى تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة، والعائلات التي حصلت على جبر ضرر فعلي.
وختم مدير الشبكة تصريحه بقوله: ينطلق موقفنا الأساسي من أن ملف المختفين لا يجوز اختزاله في عملية إنسانية منفصلة عن العدالة، كما لا يجوز في المقابل تحويله إلى ملف جنائي يهمل احتياجات الأسر، فالمطلوب مسار متكامل يجمع بين البحث عن الأشخاص وكشف الحقيقة، وحفظ الأدلة والمحاسبة والدعم وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.






