أُبيّن في هذا المقال الأبعاد القانونية والسياسية لقرار لجنة عقوبات مجلس الأمن الدولي، الصادر بالإجماع في 27 فبراير 2026، والقاضي بشطب “جبهة النصرة لأهل الشام” بجميع مسمياتها، بما في ذلك “هيئة تحرير الشام”، من قائمة عقوبات داعش والقاعدة المنبثقة عن القرارات 1267 و1989 و2253. ويترتب على هذا الشطب رفع تجميد الأصول وحظر السفر وحظر توريد الأسلحة المفروضة على الجماعة منذ عام 2014.
كما أوضح أن القرار يمثل الحلقة الأخيرة في مسار متدرج لإعادة التأهيل القانوني الدولي للسلطة الانتقالية السورية، بدأ منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وشمل خطوات متتابعة على المستويين الوطني والأممي. وأتناول كذلك المفارقة بين نموذج الشطب الكامل المُتبع مع هيئة تحرير الشام، ونموذج الإطار الموازي الذي لا تزال طالبان خاضعة له رغم حكمها أفغانستان. وأنتهي إلى أن هذه السابقة قد تُوظَّف مرجعاً في سياقات مستقبلية لجماعات مصنفة تسعى إلى إعادة التأهيل عبر التحول إلى كيانات حوكمة، بما يثير تساؤلات حول معايير نظام العقوبات الأممي وشروط الشطب.
فضل عبد الغني
في 27 فبراير 2026، قررت لجنة مجلس الأمن العاملة بموجب القرارات 1267 (1999) و1989 (2011) و2253 (2015) الخاصة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، وبالإجماع، شطب «جبهة النصرة لأهل الشام»، من قائمة عقوبات داعش والقاعدة.
وشمل القرار إلى جانب جميع أسمائها المستعارة المعروفة، بما في ذلك «هيئة تحرير الشام» و«جبهة فتح الشام» والوحدات الفرعية ذات الصلة.، من قائمة عقوبات داعش والقاعدة.
وبموجب هذا القرار، انتهى رسمياً تجميد الأصول وحظر السفر وحظر توريد الأسلحة المفروضة على الجماعة منذ 14 مايو 2014، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولا يقتصر هذا الشطب على كونه تصحيحاً إجرائياً لتصنيف سابق، بل يمثل محطة في مسار إعادة تأهيل قانوني دولي مرحلي للسلطة الانتقالية السورية في مرحلة ما بعد الأسد، بما ينطوي عليه ذلك من تبعات على التعاون الدولي، وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع، وبنية عقوبات الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن التوتر بين متطلبات التطبيع السياسي ومقتضيات المساءلة الشاملة.
وقد وصف الإدراج الأصلي الجماعةَ بأنها مرتبطةٌ بتنظيم القاعدة، مشيراً إلى أنها استقطبت مقاتلين سوريين وأجانب من تنظيم القاعدة في العراق وعصبة الأنصار، إلى جانب كوادر أجنبية أخرى من تنظيم القاعدة، للانخراط في النزاع داخل سوريا. كما أشار الإدراج إلى أنه حتى بعد عمليات إعادة التسمية المتعاقبة في عام 2016 وكانون الثاني يناير 2017، ظلت الجماعة منحازة إلى تنظيم القاعدة، واستمرت في تنفيذ عمليات إرهابية.
ومما يستحق الإشارة إليه في هذا المسار هو أن لجنة عقوبات داعش والقاعدة 1267/1989/2253 تعمل بمبدأ التوافق، بما يعني أن الشطب لا يتطلب تصويتاً إيجابياً بقدر ما يتطلب غياب أي اعتراض من أعضاء اللجنة. وبسبب عدم اعتراض أي عضو، دخل القرار حيز النفاذ فوراً، ورفع عن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة جميع الالتزامات الملزمة قانوناً المتعلقة بإنفاذ التدابير التقييدية ذات الصلة.
يتمايز هذا المسار الإجرائي عن قرار رفع العقوبات الفردية في نوفمبر 2025 عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، والذي استلزم قراراً صادراً عن مجلس الأمن نفسه (القرار 2799)، واعتمد بأغلبية أربعة عشر صوتاً مؤيداً مع امتناع الصين عن التصويت. ويكتسب هذا التمييز أهمية تحليلية لأنه يبين أن الشطب الفردي طال أشخاصاً محددين عبر عتبة إجرائية أعلى تتمثل في قرار مجلس الأمن، في حين تناول إجراء شباط/فبراير 2026 الكيان الجماعي نفسه عبر آلية التوافق داخل اللجنة. وبالاقتران بين الإجراءين، اكتمل ما يمكن تسميته «هيكل الشطب المؤسسي» لقيادة المرحلة الانتقالية في سوريا.
لم يأت شطب «هيئة تحرير الشام» من قائمة عقوبات الأمم المتحدة بمعزل عن السياق، بل جاء كخطوة أخيرة لمسار متدرج لإعادة التأهيل القانوني انطلق بَدْءِ منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وقد بدأ هذا المسار على المستوى الوطني، حين أعلنت الولايات المتحدة في أيار/مايو 2025 نيتها رفع جميع العقوبات عن سوريا، تبع ذلك إصدار الرخص العامة رقم 25 من وزارة الخزانة. وبالتوازي، رفع الاتحاد الأوروبي معظم التدابير الاقتصادية التقييدية المفروضة على سوريا، مع الإبقاء على قيود ذات طبيعة أمنية. وفي حزيران/يونيو 2025، ألغى الأمر التنفيذي رقم 14312 العقوبات الأميركية على سوريا، وفي الشهر التالي ألغت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف «هيئة تحرير الشام» كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO). وتبعت المملكة المتحدة ذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بشطب «هيئة تحرير الشام» من قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، شطب قرار مجلس الأمن رقم 2799 الرئيس الشرع ووزير الخارجية خطاب بصفة فردية. ثم قامت كندا بإزالة سوريا من قائمتها للدول الراعية للإرهاب وشطبت «هيئة تحرير الشام» في كانون الأول/ديسمبر 2025، وهو الشهر ذاته الذي أُلغي فيه «قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا» عبر قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026.
يكشف هذا التسلسل عن: معالجة التصنيفات الوطنية أولاً، ثم شطب الأفراد على مستوى الأمم المتحدة، يتلوه إصلاح تشريعي أوسع، وصولاً إلى شطب الكيان المؤسسي على مستوى الأمم المتحدة.
وقد استندت عملية إعادة التأهيل القانوني لـ«هيئة تحرير الشام» إلى مقولة أن الجماعة قطعت صلاتها نهائيا بتنظيم القاعدة بعد عام 2016، وتحولت من فصيل مسلح ذي مرجعية جهادية إلى كيان يتجه نحو الحوكمة. وقد استند قرار وزارة الخارجية الأميركية بإلغاء تصنيف «المنظمة الإرهابية الأجنبية» إلى «حل هيئة تحرير الشام المعلن والتزام الحكومة السورية بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله». كما أفاد مراقبو عقوبات الأمم المتحدة بعدم رصد «روابط نشطة» بين تنظيم القاعدة و«هيئة تحرير الشام» اعتباراً من منتصف عام 2025. يضاف إلى ذلك انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، كل ذلك، وفَّر أساساً واقعياً للشطب ضمن إطار المعايير الحاكمة لنظام العقوبات.
ومع ذلك، لم يخلُ المسار نحو الشطب من جدل سياسي. فقد أعربت الصين عن «تحفظات جدية» في وقت مبكر من شباط/فبراير 2025، معتبرة أن «الظروف ليست جاهزة بعد» للشطب، وداعية السلطات السورية الجديدة إلى «اتخاذ تدابير ملموسة للاستجابة بفعالية لمخاوف المجتمع الدولي». وانصب القلق الرئيسي لبكين على وجود مقاتلين من الإيغور منتسبين إلى «الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية» (ETIM) ممن جرى دمجهم في القوات المسلحة السورية. وخلال مفاوضات قرار تشرين الثاني/نوفمبر 2025، دفعت الصين باتجاه أن يكون الشطب محدوداً زمنياً وخاضعاً لمراجعة مجلس الأمن، غير أن هذه المطالب لم تُدرج في النص النهائي. كما أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الولايات المتحدة وزعت بدايةً مسوّدة قرار شاملة في حزيران/يونيو 2025 تقترح شطب الرئيس الشرع ووزير الداخلية خطاب و«هيئة تحرير الشام» دفعة واحدة، إلا أن شهوراً من المفاوضات أفضت إلى فصل شطب الأفراد عن شطب الكيان ضمن مسارين متميزين.
يمثل شطب «هيئة تحرير الشام» تطوراً تاريخياً مهماً داخل بنية نظام العقوبات 1267. فعلى الرغم من أن قوائم العقوبات شهدت عمليات شطب سابقة لكيانات وأفراد، فإن شطب جماعة وُصفت في وقت سابق صراحةً بأنها فرع لتنظيم القاعدة في سوريا، ثم انتهت إلى السيطرة على دولة، يعد واقعة غير مسبوقة. وأقرب نظير مقارن يتمثل في حركة طالبان، التي لا تزال خاضعة لنظام عقوبات أممي منفصل (القرار 1988) رغم حكمها لأفغانستان. ويعكس النهج المتبع مع «هيئة تحرير الشام» نموذجاً مختلفاً تماماً يقوم على الشطب الكامل، بدلاً من إنشاء إطار موازٍ، وعلى قبول فك الارتباط بالقاعدة والتحول إلى كيان حكم تُعامل شرعيته تعاملاً متزايداً باعتباره كيان حكم شرعي.
وتؤسس هذه السابقة لمسار قد يُحتج به مستقبلاً لجماعات مسلحة تحمل تصنيفات إرهابية، بحيث تتمكن، عبر مزيج من التحول السياسي والانخراط الدبلوماسي وإعادة التأهيل القانوني المرحلي، من الوصول إلى شطب كامل من قوائم العقوبات الدولية. وهنا يطرح سؤال عن المعايير والشروط التي أدت إلى السرعة في إعادة التأهيل والتي لم تستغرق سوى أربعة عشر شهرا. وتمتد تبعات ذلك إلى ما وراء سوريا، إذ قد يُستشهد بهذا النموذج في سياقات تنتقل فيها جماعات مصنفة إلى أدوار حوكمة.






