اعتبر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن تصويت مجلس الشعب السوري على إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012، الذي أُحدثت بموجبه محكمة قضايا الإرهاب، يمثل “خطوة دستورية وحقوقية ضرورية”، مشدداً على أن الاختبار الحقيقي للقرار يتمثل في إزالة الآثار الجزائية والإدارية والمالية التي خلّفتها أحكام المحكمة وإنصاف المتضررين منها.
وقال عبد الغني، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، إن المحكمة كانت “إحدى أبرز أدوات القمع القضائي التي استخدمها نظام الأسد ضد المعارضين والمشاركين في الثورة السورية”، معتبراً أن الخلل فيها لم يقتصر على أخطاء إجرائية، بل كان “بنيوياً ومؤسسياً”، وأن إلغاءها يشكل بداية مسار أوسع لمعالجة آثارها القانونية والمؤسسية.
ويأتي تصريح عبد الغني عقب إقرار مجلس الشعب، خلال جلسته اليوم، إلغاء محكمة قضايا الإرهاب ومفاعيلها القانونية، وفق ما أكده عضو المجلس بشر الحاوي لتلفزيون سوريا، بعد مداولات بشأن مشروع إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012.
وكانت المحكمة قد عُدّت منحلة في وقت سابق استناداً إلى الإعلان الدستوري والإجراءات القضائية اللاحقة، إلا أن الخطوة الحالية تتعلق بإلغاء سندها التشريعي ومعالجة المفاعيل القانونية للأحكام الصادرة عنها، مع استمرار العمل بالقوانين النافذة في سوريا إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الأصول التشريعية.
إلغاء المحكمة لا يمحو أحكامها تلقائياً
وأوضح عبد الغني أن إلغاء القانون رقم 22، بعد صدور قانون الإلغاء ونشره ودخوله حيز التنفيذ، ينهي الأساس القانوني للمحكمة واختصاصها المستقبلي، لكنه لا يعني تلقائياً محو جميع الأحكام السابقة أو إزالة آثارها.
وأضاف أن أهمية الخطوة تكمن في النص على تولي مجلس القضاء الأعلى إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة، بما يشمل رد الممتلكات المصادرة، معتبراً أن ذلك يتوافق مع المادة 48 من الإعلان الدستوري التي وضعت معالجة آثار الأحكام الجائرة ضمن مسار تفكيك القوانين الاستثنائية.
وأكد أن المطلوب لا يقتصر على وقف تنفيذ العقوبات، بل يجب أن يشمل “إزالة الإدانة والآثار الجزائية والإدارية والمالية المترتبة عليها”.
وبحسب عبد الغني، يعني ذلك إنهاء احتجاز أي شخص يكون أساس توقيفه حصراً حكماً أو مذكرة صادرة عن محكمة الإرهاب، إلى جانب إلغاء مذكرات البحث والقبض وقرارات منع السفر والقيود الأمنية المرتبطة بهذه الأحكام، وتصحيح السجل العدلي والسجلات الوظيفية والتقاعدية والمدنية.
كما دعا إلى تمكين ورثة المحكوم عليهم وذوي المتوفين والمختفين قسرياً من طلب إبطال الأحكام واستعادة الحقوق، من دون اشتراط حضور الشخص المحكوم أو فرض إجراءات يتعذر على ذويه استيفاؤها.
أكثر من 90 ألف قضية أمام المحكمة
وأشار مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى ضخامة الملف الذي تركته المحكمة، مستنداً إلى آخر تقرير تخصصي أصدرته الشبكة عنها في تشرين الأول/أكتوبر 2020.
وبحسب التقرير، كان ما لا يقل عن 10 آلاف و767 شخصاً لا يزالون خاضعين للمحكمة حتى تاريخ إعداد الدراسة، في حين قُدّر عدد القضايا التي نظرت فيها منذ إنشائها وحتى تشرين الأول 2020 بنحو 90 ألفاً و560 قضية، إضافة إلى توثيق 3970 حالة حجز على الممتلكات.
وشدد عبد الغني على أن هذه الأرقام مرتبطة بتاريخ توثيقها في عام 2020، ولا ينبغي التعامل معها على أنها إحصاء راهن لعام 2026، لكنها، بحسب قوله، توضح اتساع نطاق الضرر الذي خلفته المحكمة.
وقال إن المحكمة كانت تعتمد، وفق ما وثقته الشبكة، على الضبوط الأمنية والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، في ظل ضعف ضمانات الدفاع وعدم نشر الأحكام أو المعايير القضائية التي استندت إليها.
وأضاف أنه لهذا السبب “لا ينبغي مطالبة كل ضحية بأن تبدأ من الصفر لإثبات أن محاكمتها كانت جائرة”، داعياً إلى وضع آلية تسمح بمراجعة الأحكام وفق قرينة قوية لمصلحة المتضررين.
ما المطلوب من مجلس القضاء الأعلى؟
ورأى عبد الغني أن أمام مجلس القضاء الأعلى دوراً أساسياً في المرحلة المقبلة، من خلال تصميم عملية منظمة لمراجعة المفاعيل القانونية للأحكام.
ودعا إلى إعطاء الأولوية للقضايا المرتبطة بحرية التعبير والتجمع والعمل الإعلامي والحقوقي والإغاثي والطبي والمشاركة في الاحتجاجات، إضافة إلى الملفات التي بُنيت على صلة القرابة أو الانتماء المفترض أو اعترافات أمنية لا تدعمها أدلة مستقلة.
وأكد ضرورة أن تكون قرارات إلغاء المفاعيل قابلة للتنفيذ مباشرة لدى مختلف مؤسسات الدولة، بما يشمل السجل العدلي والنيابات والشرطة والهجرة والجوازات ووزارة المالية والسجل العقاري والمصارف والجهات الوظيفية والتقاعدية.
وحذر من أن صدور قرار قضائي بإزالة أثر الحكم، من دون وصوله إلى المؤسسات المعنية وتنفيذه لديها، قد يعني بقاء الشخص عملياً ملاحقاً أو ممنوعاً من السفر أو محروماً من بعض حقوقه.
ماذا عن القضايا الجنائية؟
وفي المقابل، شدد عبد الغني على ضرورة التفريق بين الأحكام المرتبطة بالنشاط السياسي والمدني وبين الملفات التي تتضمن ادعاءات بارتكاب جرائم قتل أو تفجير أو اعتداء على المدنيين.
وأوضح أن إبطال حكم صادر عن محكمة الإرهاب “لا يعني منح حصانة من المساءلة عن الجرائم الفعلية”، ويمكن فتح تحقيق جديد إذا توافرت أدلة مستقلة ومشروعة.
لكنه أكد أن أي ملاحقة جديدة يجب ألا تستند بصورة تلقائية إلى الضبط الأمني السابق أو قرار الاتهام أو استنتاجات محكمة الإرهاب، بل إلى تحقيق مستقل يراعي حقوق المتهم وضمانات المحاكمة العادلة.
استعادة الممتلكات
ووصف عبد الغني ملف الممتلكات بأنه أحد أكثر الجوانب تعقيداً، موضحاً أن رفع الحجز لا يعني بالضرورة إعادة العقار أو المال إلى صاحبه، بسبب احتمال انتقال بعض الممتلكات إلى الدولة أو إلى أطراف أخرى، أو بيعها عدة مرات أو تغيير وضعها العقاري أو هدمها.
وقال إن “الرد العيني يجب أن يكون الأصل متى كان ممكناً”، مع تجميد التصرف بالأموال المتنازع عليها إلى حين البت فيها، وتوفير تعويض عادل ومتناسب عندما يتعذر رد الملكية.
وفي هذا السياق، فرّق بين أرقام محكمة الإرهاب وبين منظومة الحجز والمصادرة الأوسع في عهد النظام المخلوع، إذ وثقت الشبكة ما لا يقل عن 40 ألفاً و602 قرار حجز ومصادرة طالت قرابة 320 ألف مواطن سوري بين عامي 2012 و 2024، مؤكدة أن هذه الأرقام لا تخص محكمة الإرهاب وحدها، وإنما منظومة أوسع من الإجراءات والقرارات.
الحفاظ على أرشيف المحكمة
وطالب عبد الغني كذلك بالحفاظ على أرشيف محكمة الإرهاب والنيابة التابعة لها، محذراً من أن إلغاء الأحكام لا ينبغي أن يؤدي إلى إتلاف الملفات.
وأوضح أن هذه الوثائق قد تحتوي على أدلة تتعلق بالتعذيب والاختفاء القسري والابتزاز والمصادرة، إضافة إلى معلومات عن أدوار قضاة ومدعين عامين ومسؤولين أمنيين.
وأكد في الوقت نفسه أن مساءلة العاملين في المحكمة يجب أن تستند إلى المسؤولية الفردية والأدلة المتعلقة بسلوك كل شخص، وليس إلى مجرد عمله السابق في المؤسسة.
ودعا المتضررين وذويهم، في المرحلة الحالية، إلى حفظ ما لديهم من أحكام وقرارات اتهام وأرقام قضايا ووثائق اعتقال أو إفراج وقرارات حجز ومصادرة وسندات ملكية وإرث وقرابة، معتبراً أن المسؤولية الرئيسية تبقى على الدولة في إنشاء نافذة مجانية وواضحة لتلقي الطلبات وإتاحة تقديمها من خارج سوريا.
إلغاء المحكمة لا يعني إلغاء قانون مكافحة الإرهاب
وختم عبد الغني بالتشديد على أن معالجة إرث محكمة الإرهاب يجب ألا تتوقف عند إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012.
وأوضح أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 قضية قانونية منفصلة، وأن إلغاء المحكمة التي كانت تنظر في القضايا المحالة بموجبه لا يعني تلقائياً إلغاء القانون نفسه أو تعديل تعريفاته وعقوباته وآثاره المالية.






