فضل عبد الغني،
أعلنت السلطات السورية في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026 اعتقال معراج أورال، المعروف باسم علي كيالي، الذي قاد ميليشيا «المقاومة السورية» الموالية لنظام الأسد. وتعود الاتهامات بضلوعه في مجزرتَي قرية البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس إلى أيار/مايو 2013. ففي العاشر من ذلك الشهر، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا أوردت فيه اسم أورال بوصفه أحد قادة المجزرتين، استنادًا إلى شهادات سكان محليين.
وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا، أصبح أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في ذلك التقرير-الذي أُعدّ بعد وقوع الجرائم بأيام- رهن الاحتجاز. ففي عهد الأسد، كانت المساءلة القضائية الوطنية عن مثل هذه الجرائم مستحيلة.
واليوم، يطرح اعتقال أورال سؤالًا جوهريًا في مسار العدالة الانتقالية: هل يمكن للأدلة التي جُمعت وحُفظت في وقت كانت فيه الدولة نفسها ضالعة في ارتكاب الفظائع أن تشكّل أساسًا لملاحقات قضائية موثوقة في ظل سلطة جديدة؟ وتتوقف الإجابة عنه على شرطين أساسيين: إثبات المسؤولية الجنائية الفردية، وضمان استقلال المؤسسات المعنية بالتحقيق والمحاكمة.
في 2 أيار/مايو 2013، طوّقت قوات نظام الأسد ومجموعات مسلحة متحالفة معها قرية البيضا، وقصفتها قبل اقتحامها. وقُتل سكان بالرصاص، وأُعدم آخرون بإجراءات موجزة أو باستخدام الأسلحة البيضاء، وأُحرقت منازل وجثث، وأُبيدت عائلات بأكملها. وفي اليوم التالي، امتدت عمليات القتل إلى حي رأس النبع. ووثّقنا في الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 459 مدنيًا، منهم 264 في البيضا و195 في رأس النبع، وبين الضحايا 92 طفلًا و71 امرأة. كما سجّلنا أسماء 40 شخصًا تعرّضوا للاختطاف، فيما ظل مصير آخرين مجهولًا.
جمعنا الشهادات التي استند إليها التقرير في ظروف كانت فيها المنطقة محاصرة، وكان الشهود يواجهون خطر الانتقام إن هم أدلوا بشهاداتهم. ولم يتمكن فريقنا من الوصول إلى مسارح الجرائم، فاعتمدنا على روايات الناجين وشهود العيان وأسر الضحايا والناشطين المحليين، وقاطعناها بالصور والتسجيلات المصوّرة للتحقق من دقتها. وتكمن قيمة هذا السجل في أنَّه معاصر للأحداث، إذ أُعدّ قبل سقوط النظام بسنوات طويلة.
ويُبرز ذلك الفرق الأساسي بين توثيق الفظائع والإدانة القضائية. فتحقيقات حقوق الإنسان تكشف أنماط الانتهاكات وتحدد القوات المتورطة فيها، أما المحاكم الجنائية فعليها إثبات الأفعال المنسوبة إلى كل متهم على حدة. ولا تكفي المكانة القيادية أو النفوذ داخل جماعة مسلحة وحدهما للإدانة. ويتعين على المحققين تحديد ما إذا كان أورال قد شارك مباشرة في ارتكاب الجرائم، أو أصدر أوامر بتنفيذها، أو أسهم في التخطيط لها، أو قدّم عن علم مساعدة تستوفي شروط المسؤولية الجنائية بموجب القانون الواجب التطبيق.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت، في 4 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، اعتقال جمال طرابلسي، الذي تصفه بأنَّه كان نائبًا لأورال. غير أنَّ الصلة التنظيمية بين شخصين لا تعني بالضرورة مسؤوليتهما عن الجرائم نفسها. ومن ثم، ينبغي أن تُبنى التحقيقات على الأدلة لا على الصلات التنظيمية، وأن تشمل كل من تشير الأدلة إلى ارتباطه بالمجزرتين، بمن فيهم مسؤولون عسكريون وأمنيون سابقون.
وقد ترقى عمليات القتل هذه إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. غير أنَّ هذا التوصيف في التقارير الحقوقية لا يحسم الأساس القانوني للملاحقة القضائية. فعلى النيابة العامة السورية أن تحدد النص القانوني الذي تستند إليه في كل جريمة، ولكل صورة من صور المسؤولية الجنائية الفردية، ولكل عقوبة محتملة. وستؤثر هذه الخيارات أيضًا في فرص التعاون القضائي الدولي. فالآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا تستطيع دعم السلطات القضائية المختصة بالأدلة والتحليلات، لكن ذلك يقتصر على القضايا التي لا يمكن أن تُفرض فيها عقوبة الإعدام.
وتتهم النيابة العامة التركية أورال أيضًا بالضلوع في التخطيط لتفجيري الريحانية في 11 أيار/مايو 2013، اللذين أسفرا عن مقتل 53 شخصًا. ووفقًا لما نقلته وسائل الإعلام التركية، أدانت محكمة الجنايات العليا التاسعة في أنقرة، في 5 حزيران/يونيو 2026، ثلاثة متهمين آخرين في القضية، وفصلت ملف أورال بسبب استمرار تواريه عن الأنظار.
وتطرح هذه الملاحقة الموازية مسألة الاختصاص القضائي وأولوية المحاكمة، بما يستدعي تنسيقًا بين البلدين يضمن عدم تعارض الإجراءات، ولا ينتقص من حق ضحايا بانياس في محاكمة أمام القضاء السوري.
ولا تكفي المحاكمة وحدها لتلبية احتياجات أسر الضحايا. فهذه الأسر تحتاج إلى معرفة مصير أقاربها المفقودين، والاعتراف بما تعرّضوا له، وضمان سبل فعّالة لجبر الضرر. ويقتضي ذلك تمكينها من الوصول إلى المعلومات، وإتاحة فرص حقيقية للمشاركة في الإجراءات القضائية، وتوفير الحماية لها من الأعمال الانتقامية. كما يجب التعامل مع معلومات الشهود التي جُمعت عام 2013 وفق ضمانات تحمي السرية، وتكفل الموافقة المستنيرة، وتصون حقوق الدفاع.
ويتمتع أورال بقرينة البراءة، وبالحق في الاستعانة بمحامٍ، والحماية من الإكراه، والمحاكمة العادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة. فالمسؤولية الجنائية فردية، ويجب ألا تتحول المساءلة عن جرائم عهد الأسد إلى تحميل جماعات بأكملها مسؤولية تلك الجرائم على أساس الطائفة أو الأصل أو الانتماء العائلي.
إنَّ اعتقال أورال لا ينهي الإفلات من العقاب في سوريا، لكنَّه يضع المؤسسات السورية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل الأدلة التي حُفظت في ظل القمع الأسدي إلى أحكام قضائية تصدر عن محاكم مستقلة، في إطار إجراءات تحترم ضمانات المحاكمة العادلة، وتسهم في كشف مصير المفقودين وإنصاف الضحايا؟ فأثر هذه القضية، نجاحًا أو إخفاقًا، سيحدد مدى ثقة السوريين بمسار العدالة الانتقالية.
لقد وثّقنا شهادات الناجين عام 2013 حفاظًا على الحقيقة، في وقت بدت فيه العدالة بعيدة المنال؛ واليوم، يقع على عاتق الدولة أن تثبت أنَّ تلك الشهادات لم تُجمع عبثًا، وأنَّ الحقيقة التي حُفظت يمكن أن تتحول إلى عدالة.






