لم يكن الكاتب شاهداً على الهجمات الكيميائية التي يتناولها كتابه، غير أن ذلك لم يحُل دون عمله المباشر والمتواصل على هذا الملف منذ أول استخدام للكيماوي أواخر 2012، فقد عمل مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الباحث في القانون الدولي فضل عبد الغني، على جمع الأدلة على جرائم النظام المخلوع مع تعدد مصادرها، وأجرى التحقق الداخلي وإمكان تقاطعها مع مصادر مستقلة، ليعرضها ضمن سرد منضبط يتيح التدقيق والتحقق في كتابه «استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية»، الصادر حديثاً عن دار الفكر والذي سيشارك في معرض الكتاب بدمشق قريباً.
وفي حواره مع “الثورة السورية”، يبيّن عبد الغني أن كتابه ليس سجلاً أرشيفياً يسرد الحوادث حادثةً بحادثة، بل دراسة تحليلية قانونية تعتمد على التوثيق بوصفه قاعدة معرفية، ويركز على كيفية استخدام النظام المخلوع للأسلحة الكيميائية، ومسار تعامل المجتمع الدولي مع هذه الجرائم، ودور آليات الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وما رافق ذلك من مواقف وقرارات في مجلس الأمن والجمعية العامة، وما أظهرته التجربة من فجوات في الردع والمساءلة.
لذلك، يمكن القول إن الكتاب يوثّق هذا الملف بمعنى التأريخ التحليلي القائم على الأدلة، لا بمعنى الأرشفة التفصيلية لكل حادثة.
الكاتب يستقرئ الحرية
“كنت أستقرئ أن الثورة ستنتصر، ولم يكن ذلك نابعاً من حدس عاطفي أو قراءة أدبية للمشهد، بل من قناعة تشكّلت عبر سنوات من متابعة لبنية النظام من الداخل وتحولات البيئة الدولية من حوله، وكنت أرى مؤشرات تفكك بنيوي متراكمة، منها تآكل الشرعية السياسية والاجتماعية، وتحول الدولة إلى منظومة أمنية «ميليشياوية» تُدار بمنطق القهر لا بمنطق المؤسسات، واتساع اقتصاد الحرب وما يحمله من استنزاف طويل الأمد، وتراكم ملفات المساءلة والضغط الحقوقي بما جعل النظام أقل قدرة على الاستمرار بوصفه دولة قابلة للحكم بمعناه الحديث، والأهم أن هذا اليقين لم يكن موقفاً ذهنياً، بل التزام عملي حتى اللحظة الأخيرة “.
لا تزدهر بالعزلة وتتعافى بالانفتاح
“سنكون أمام أدب ما بعد الكارثة، أدب يحمل أثقال الفقد والنزوح وانكسار الروابط الاجتماعية والأسئلة الأخلاقية حول النجاة والتواطؤ والعدالة، والتحدي الجمالي والأخلاقي هو الانتقال من كتابة الألم وحده إلى كتابة الإمكان”، وفقاً لعبد الغني.
وبرأيه من المهم أن نعرف كيف تُبنى حياة مشتركة بعد العنف دون إنكار الجرح، ودون تحويل الضحية إلى مادة استهلاك أو إلى رمز يستهلكه الخطاب العام، ويرى أن أول ما ينعكس بعد التحرير على الواقع الثقافي هو انحسار مناخ الرقابة والخوف، وانتقال الأدب من التورية القسرية إلى المكاشفة، فبعد عقود اضطر كثير من الأدباء إلى الالتفاف عبر الرمز والاستعارة لتجنب المنع أو الملاحقة، وثاني أثر جوهري يتمثل في انتقال أدب السجون والتعذيب والاختفاء من الهامش إلى المركز، ويعتبر عبد الغني هذا الأدب خزان الذاكرة الجمعية وأحد مفاتيح فهم المجتمع لنفسه بعد الكارثة.
أما ثالثاً، والقول لعبد الغني: “سنشهد صراعاً واضحاً على السرديات، لأن الثورة بالإضافة إلى كونها حدثاً سياسياً ، شهدت نزاعاً على الرواية: من يملك حق تعريف الواقع، ومن يكتب التاريخ الاجتماعي لسوريا بعد التحرير؟ سيظهر ذلك في الرواية والقصة والمسرح بوصفه إعادة تركيب لمعنى الوطن والانتماء والعدالة، وتفكيكاً لخطاب الدعاية، واستعادة لصوت الأفراد في مواجهة السرديات الرسمية التي صادرت المجال العام طويلاً”.
ورابعاً، ستفرض تجربة المنفى والعودة نفسها بقوة على الكتابة السورية، عودة كثير من المثقفين إلى الداخل، وعودة النقاش العام إلى المدن، وستنتج أدباً عن العودة بوصفها تجربة مركبة، من صدمة المكان، والانتماء المتشظي، والذاكرة التي تواجه واقعاً مختلفاً، إلى محاولة إعادة اكتشاف المدينة والناس واللغة. هذا أدب يكتب المسافة بين ما تذكرناه وما وجدناه، وبين ما حلمنا به وما نعمل لبنائه.
معرض يكسر العزلة والخوف
يتعامل عبد الغني مع معرض الكتاب بوصفه أول دورة منظمة بعد سقوط النظام المخلوع الذي جعل الكتاب نفسه مخاطرة، ويرى أن الجديد الحقيقي يُقاس بمدى القدرة على كسر إرث الرقابة والخوف، وإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها حقاً عاماً.
وأول ما سيقدّمه المعرض للمشهد الثقافي هو استعادة الفضاء العام للقراءة والنقاش، بحسب عبد الغني، فالإعلان عن مئات الفعاليات والندوات والحوارات يوحي بأن المعرض لا يُراد له أن يكون سوقاً للكتب فقط، إنما منصة لتبادل الأفكار وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والمنتج الثقافي.
وبعد سنوات كان فيها الكلام العام محكوماً بالخطوط الحمراء، يصبح اجتماع الناس حول كتاب أو فكرة خطوة مهمة باتجاه مجتمع يستعيد طبيعته المدنية.
“سيقدّم المعرض من جانب آخر فرصة لإعادة وصل سوريا بشبكات النشر العربية والدولية، فمشاركة دور نشر من دول عديدة وحضور عناوين بارزة يعيدان ربط القارئ السوري بسلاسل الترجمة والتوزيع والمعرفة التي انقطعت أو تراجعت خلال سنوات طويلة، وهذا مهم لأن الثقافة لا تزدهر في العزلة، بل تتسع وتتعافى حين يتاح للقارئ أن يقارن ويختار ويقرأ خارج الإطار المفروض”، بحسب عبد الغني.
ويضيف، للمعرض اليوم قيمة خاصة عبر التركيز على الطفل والناشئة، وهذا رهان على المستقبل، فالنهضة الثقافية تبدأ من الصالونات، ومن المدرسة والبيت، ومن بناء عادة القراءة لدى الأجيال الجديدة، حتى لا نعيد إنتاج مجتمع مقطوع الصلة بالمعرفة أو محكوم بفراغ ثقافي يعيد تدوير الاستبداد بأشكال أخرى.
بلا رقيب ولا تورية
“الجديد الذي سيضيفه معرض الكتاب نوعي أكثر منه شكلي”، يشير عبد الغني إلى أن الجديد الأول هو التحرر من مناخ الحظر والخطر، بحيث يصبح اقتناء الكتب وقراءتها نشاطاً طبيعياً، أما الجديد الثاني فهو احتمال ولادة ما يمكن تسميته «أدب ما بعد الخوف»، أدب يخرج من التورية القسرية إلى تسمية الوقائع كما هي، ويعيد الاعتبار للشهادة والذاكرة وكرامة الضحايا، دون اضطرار الكاتب إلى الالتفاف المستمر على الرقابة.
والجديد الثالث محاولة تحديث وظيفة المعرض عبر الجوائز والفعاليات والتنوع، بما يحوّل المعرض إلى منصة إنتاج ثقافي سنوية، ويرى عبد الغني أن أثر المعرض سيبقى مشروطاً بتثبيت حرية النشر بوصفها قاعدة مستقرة، وبقدرة دور النشر والكتّاب على العمل ضمن بيئة قانونية واضحة تحمي حرية التعبير وتحدّ من الرقابة غير المعلنة، كما يظلّ النجاح مرتبطاً بعوامل اقتصادية عملية، مثل تكلفة الورق والطباعة وواقع القوة الشرائية.
يُذكر أن للباحث في القانون الدولي فضل عبد الغني ثلاثة كتب منشورة عن دار الفكر، وهي: “استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية”، و”تقويض استقلال القضاء في سوريا”، و”مسارات الانتقال: رؤى في العدالة والمصالحة”، كما لديه كتب لم تبصر النور بعد، منها كتاب «حوكمة منظمات حقوق الإنسان وبناء الأنظمة الداخلية» وهو قيد الطباعة.






