رمزية سيادية ووطنية
أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن أهمية المحاكمة المحلية تكمن في قدرتها على تحقيق إنصافٍ شامل للضحايا، وهو ما يصعب على المحاكم الدولية أو الأوروبية توفيره بالكامل، فالإدانة وحدها لا تكفي، بل يتطلب الإنصاف اعترافاً رسمياً بالانتهاكات، واعتذاراً علنياً، وتعويضاً مادياً، وضمانات لعدم التكرار، وهي عناصر لا تستطيع محكمة في برلين أو باريس إنجازها كاملة.
شفاء اجتماعي وسياسي
وشدد عبد الغني على أن المحاكمة المحلية في دمشق تحمل رمزية سيادية ووطنية لا غنى عنها، إذ إن مثول المتهمين أمام القضاء في بلدهم، بلغتهم وأمام مجتمعهم، يشكّل بحد ذاته عنصراً من الشفاء الاجتماعي والسياسي يسبق الشفاء القانوني، كما تُلزم المادة الرابعة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة بضمان الإنصاف الفعلي للضحايا وتعويضهم، وهو ما لا يتحقق بصورة كاملة إلا عبر القضاء الوطني.
وبيّن عبد الغني أن أي محاكمة تدّعي الانتساب إلى العدالة الانتقالية يجب أن تستوفي معايير محددة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، وفي مقدمتها ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يشمل حق الاستئناف، واستقلال القضاء، والحق في دفاع كافٍ حتى لمن ارتكبوا جرائم بشعة.
تسليم المجرمين
وأوضح عبد الغني أن المحاكمة الغيابية للمجرمين بشار وماهر الأسد والمتهمين الآخرين تثير تحديات، إذ يُقيّد القانون الجنائي الدولي المعاصر هذا النوع من المحاكمات، ولها ضمانات تكفل حماية حقوق الدفاع بما يعوّض غياب المتهم.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين الأدوات القانونية، موضحاً أن اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة عام 2022 مع النظام البائد هي اتفاقية ثنائية لا تُلزم روسيا بتسليم أي شخص إلى حكومة لم تكن هي الطرف الموقّع عليها، مبيناً أن سوريا تحتاج إما إلى إبرام اتفاقية جديدة أو معالجة مسألة الخلافة القانونية، كما أن الاتفاقية تتضمن استثناءات للجرائم ذات الطابع السياسي، ما قد تستخدمه روسيا لرفض تسليم المجرمين بشار الأسد وماهر الأسد.
وشدد عبد الغني على أن موقف الشبكة السورية لحقوق الإنسان هو أن هذه المحاكمات، رغم أهميتها التاريخية والرمزية، لا تغني عن الحاجة إلى آلية هجينة تتمتع باستقلال قضائي كامل، وتعتمد معايير إثبات منسجمة مع المعايير الجنائية الدولية، ولا سيما فيما يتعلق بقيادة النظام البائد العليا، التي تتطلب محاكمتها إثبات المسؤولية القيادية وفق معياري “القصد” أو “المعرفة” المنصوص عليهما في المادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي، قياساً على ما أرسته الدوائر الاستئنافية في المحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا.






