أُبيّن في هذا المقال دلالة انضمام سوريا، في 21 مايو 2026، إلى المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، وأقيّم ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل تحولاً مؤسسياً، أم مجرد إعلان دبلوماسي. وقد أطلقت هذه المبادرة عام 2024 كل من البرازيل والصين وفرنسا والأردن وكازاخستان وجنوب إفريقيا واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بوصفها إطاراً استشارياً قائماً على الالتزام السياسي لا على واجبات تعاهدية جديدة. وهذا يعني أن انضمام سوريا لا يضيف التزامات قانونية مستحدثة، بل يعيد التأكيد على واجبات راسخة سبق لنظام الأسد المخلوع أن انتهكها بصورة منهجية وموثقة، من تدمير المنشآت الطبية واستخدام الأسلحة الكيميائية إلى التعذيب والاختفاء القسري الممنهجين في مراكز الاحتجاز.
تكمن الأهمية العملية المباشرة لهذا الانضمام في أثره المحتمل على وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مرافق الاحتجاز، وعلى منظومة البحث عن المفقودين، وبرامج نشر القانون الدولي الإنساني في مؤسسات الدولة الخاضعة للإصلاح. غير أن المقال ينبّه إلى خطر الوقوع فيما تسميه أدبيات العلوم السياسية «الكلام العابر»، أي الإعلانات التي تخفف الضغط الدولي من دون أن تفضي إلى تحول مؤسسي موثق. ويخلص المقال إلى أن الدولة التي وثّقت المبادرة ذاتها انتهاكاتها في سياقها التأسيسي باتت ملزمة بإثبات امتثالها من خلال السلوك الفعلي لقواتها، وانفتاح مرافق الاحتجاز على الرقابة، وصدقية آليات المساءلة المحلية.
فضل عبد الغني
في 21 أيار/ مايو 2026، سلم الممثل الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، وثيقة الانضمام الرسمي للبلاد إلى المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني مباشرة إلى رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميرجانا سبولياريتش إيغير. ولربما تكون هذه الخطوة متواضعة من حيث الشكل: إعلان سياسي بالانضمام إلى إطار عمل لا يفرض التزامات قانونية جديدة. ومع ذلك، فإن أهميتها تكمن في السياق لا في المضمون. فسوريا دولة خلّف النزاع المسلح فيها بعضاً من أكثر أنماط انتهاكات القانون الدولي الإنساني توثيقاً على نطاق واسع في القرن الحادي والعشرين. ومن ثم، فإن إعادة تأكيد التزامها العلني بقوانين الحرب، في ظل حكومة انتقالية تشكلت بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ترقى إلى قطيعة مؤسسية رسمية مع نهج عدم الامتثال المتعمد الذي استمر أكثر من عقد.
أُطلقت المبادرة العالمية للقانون الدولي الإنساني في أيلول/ سبتمبر 2024، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، من قِبل البرازيل والصين وفرنسا والأردن وكازاخستان وجنوب إفريقيا واللجنة الدولية للصليب الأحمر، استجابة لما وصفته الدول المؤسسة بانتهاكات واسعة النطاق ومتصاعدة لقوانين الحرب على مستوى العالم. وبحلول وقت انضمام سوريا، كانت 99 دولة قد انضمت رسمياً إلى المبادرة، مع قيادة مشتركة من 27 دولة لسبعة مسارات عمل موضوعية تغطي حماية البنية التحتية المدنية، والمرافق الصحية، والأشخاص المفقودين، وإدماج القانون الدولي الإنساني في عمليات السلام، وحوكمة التقنيات الناشئة في الحروب. وتعد هذه المبادرة إطاراً استشارياً قائماً على التوصيات؛ إذ تعمل من خلال الالتزام السياسي لا عبر التزامات تعاهدية ملزمة. ولا تتحمل الدول المنضمة إليها واجبات قانونية جديدة، بل تلتزم بالوفاء بالواجبات القائمة على نحو أكثر فعالية. وهذا التفريق ضروري عند النظر إلى انضمام سوريا؛ فالإطار القانوني الحاكم لسلوكها، بما يشمل اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، والقانون الدولي الإنساني العرفي، والقانون الجنائي الدولي، يبقى من دون تغيير.
إن سجل نظام الأسد المخلوع طوال النزاع المسلح كان سجلاً مثقلاً بانتهاكات منهجية وواسعة النطاق ومتعمدة. فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، عبر أكثر من 36 تقريراً، هجمات منهجية على السكان المدنيين، وحرب حصار صُممت لتجويع المناطق المدنية وإجبارها على الاستسلام، واستهدافاً متعمداً للمرافق الطبية، وتعذيباً وإخفاءً قسرياً واسعَي النطاق ومنهجيَّين في مراكز الاحتجاز، واستخداماً للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. وتسجل توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفاة قرابة 45 ألفاً من السوريين تحت التعذيب منذ عام 2011، إلى جانب أكثر من 177 ألف شخص لا يزالون قيد الاختفاء القسري. وقد حرم نظام الأسد اللجنة الدولية للصليب الأحمر من دخول مرافق الاحتجاز لفترات طويلة، وعرقلت العمليات الإنسانية على نحو متواصل، مما جعل سوريا واحدة من أبرز حالات الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف التي استخدمت، في الوقت نفسه، الأزمة الإنسانية التي خلقتها كسلاح. وفي مواجهة هذا السجل، تكتسب إعادة الالتزام العلني لسوريا دلالة مختلفة نوعياً عن المشاركة الدبلوماسية الروتينية؛ فهي تمثل، على المستوى الإعلاني، تنصلاً من نمط سلوك الدولة السابق.
وقد أطرت الحكومة السورية الجديدة هذا الانضمام بوصفه اعترافاً بالمعاناة الناجمة عن الانتهاكات الجسيمة والمنهجية في ظل الإدارة السابقة. وقدمت وزارة الخارجية السورية الخطوة باعتبارها إظهاراً للامتثال من خلال تدابير عملية ودبلوماسية نشطة. ومن منظور العلاقات الدولية، يمثل الانضمام إشارة ذات مصداقية إلى الدول المانحة، وهيئات الأمم المتحدة، والجهات الفاعلة الإنسانية التي يتطلب إعادة إعمار سوريا تعاونها. فقد أعاد مؤتمر بروكسل التاسع لدعم مستقبل سوريا والمنطقة، في آذار/ مارس 2025، التأكيد على التزام الاتحاد الأوروبي بعملية انتقال يقودها السوريون، مشروطة بالمساءلة والإصلاح القانوني. ويعد الانخراط الرسمي في أطر القانون الدولي الإنساني شرطاً أساسياً للوصول الكامل إلى تلك القنوات الدبلوماسية والمالية. ومع ذلك، يكمن الخطر في أن يحل التطبيع الدبلوماسي محل المساءلة القانونية. إذ تظل القيود المفروضة على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن سوريا من دون تغيير، في أعقاب الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن عام 2014. ولا يغير الانضمام إلى مبادرة القانون الدولي الإنساني من تعرض سوريا لإجراءات الولاية القضائية العالمية، أو من عمل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، فالالتزام الإعلاني وواجب المساءلة يسيران في مسارين منفصلين، والخلط بينهما من شأنه أن يخدم مصالح التطبيع على حساب العدالة.
إن البعد الأكثر أهمية ومباشرة في انضمام سوريا يتعلق بأثره في الوصول العملياتي للجنة الدولية للصليب الأحمر. فالعمل الإنساني للجنة الدولية في سوريا، بما يشمل مراقبة الاحتجاز، ونشر القانون الدولي الإنساني، وخدمات التقصي عن المفقودين، ودعم المجتمعات المتضررة، كان مقيداً بشدة في ظل نظام الأسد. وقد ربطت اللجنة الدولية علناً شروط انخراطها في سوريا ما بعد الأسد باحترام القانون الدولي الإنساني، والوصول الإنساني، وتقديم إجابات ملموسة لعائلات المفقودين. وينبغي للالتزام السياسي المتجدد على أعلى المستويات أن يترجم، من حيث المبدأ، إلى وصول أوسع وأكثر منهجية للجنة الدولية إلى مرافق الاحتجاز، وتعاون أكثر تنظيماً مع شبكة التقصي، ودعم مؤسسي لنشر القانون الدولي الإنساني في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الخاضعة للإصلاح. ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين الإعلان والممارسة ملموسة؛ ويجب أن تعمل الحكومة السورية الحالية بشكل حثيث على تقليص هذه الفجوة وصولاً إلى إغلاقها.
تميز أدبيات العلوم السياسية حول الامتثال للمعاهدات باستمرار بين الامتثال السلوكي، والامتثال المعياري، وما يُعرف بـ”الكلام العابر”، أي الإعلانات العامة التي تنطوي على حد أدنى من التكلفة السياسية وتخفف الضغط الخارجي من دون أن تولد تغييراً مؤسسياً حقيقياً. ويواجه انضمام سوريا خطر الوقوع في هذه الفئة الثالثة إذا لم يترافق ذلك مع معايير تنفيذ ملموسة وقابلة للتحقق. وقد حدد تقرير التقدم الخاص بالمبادرة، المنشور في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أهم الخطوات على المستوى الوطني في إدماج القانون الدولي الإنساني في القانون المحلي والعقيدة العسكرية، وتحديث برامج التدريب العسكري، وتعزيز آليات المساءلة الوطنية، وتمكين لجان القانون الدولي الإنساني الوطنية بالموارد الكافية والاستقلالية. وقد أنشأت سوريا حتى الآن هيئة للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم تنفيذي، إذ أصدر الرئيس الشرع مرسوماً في آب/ أغسطس 2025 يقضي بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية؛ غير أن البنية التحتية القانونية للإدماج المنهجي للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك قوانين العقوبات العسكرية المعدلة، وقواعد الاشتباك المتوافقة مع القانون الدولي الإنساني، والآليات القضائية القادرة على ملاحقة الانتهاكات، لا تزال في مراحل التطوير الأولى.
ويمثل المؤتمر رفيع المستوى للمبادرة، المقرر عقده في الأردن في الربع الرابع من عام 2026، اختباراً ملموساً في المدى القريب. فمشاركة سوريا في مسارات العمل الموضوعية، إذا كانت جوهرية يمكن أن توفر إطاراً منظماً للإصلاح القانوني المحلي. ويعد مسار العمل المعني بالقانون الدولي الإنساني والسلام ذا صلة مباشرة ببنية العدالة الانتقالية في سوريا، إذ يتيح فرصة منظمة لربط الالتزامات القانونية الدولية ببرامج المساءلة المحلية.
إن انضمام سوريا إلى المبادرة العالمية للقانون الدولي الإنساني خطوة مهمة قانونياً، وقد تترتب عليها نتائج ملموسة؛ غير أن أهميتها لن تتحدد بالاحتفالية التي جرى فيها تبادل الوثيقة، ولا باللغة الدبلوماسية التي صيغت بها؛ بل ستُقاس بممارسات قوات الجيش والأمن السورية، ومدى إمكانية وصول مراقبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مرافق الاحتجاز، والموارد المخصصة للتعرف الجنائي على المفقودين، ومصداقية آليات المساءلة المحلية. إن الدولة التي ارتكبت بعضاً من أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني، في السياق التأسيسي للمبادرة، أعلنت التزامها بالإطار الذي وضع خصيصاً لمنع تكرار مثل هذه الإخفاقات. ومن ثم، بات عبء الإثبات الآن قائماً بالكامل على السلوك المؤسسي للدولة.






