أُبيّن في هذا المقال أن قرار مجلس الاتحاد الأوروبي الصادر في 18 أيار 2026، والقاضي بشطب سبع كيانات سورية من قائمة العقوبات المفروضة بموجب اللائحة رقم 36/2012، بما في ذلك وزارتا الدفاع والداخلية، يُعد خطوة سياسية وقانونية ذات أبعاد بالغة في سياق المرحلة الانتقالية السورية.
أوضح في المقال أن هذا الشطب يتوّج مسارًا تراجعيًا متدرجًا بدأ بتعليق العقوبات في شباط 2025، ثم برفع العقوبات الاقتصادية القطاعية في أيار 2025، ليُفضي الآن إلى تطبيع مؤسسي كامل يتيح توجيه التمويل والتدريب والتعاون التقني الأوروبي مباشرة إلى القطاع الأمني السوري الرسمي، من دون اشتراطات ملزمة تتعلق بإصلاح هذا القطاع أو التدقيق الأمني أو المساءلة.
ويبرز المقال كذلك أن الاتحاد الأوروبي اعتمد منطق «الاعتراف الانتقائي»، إذ يمنح الحكومة الجديدة شرعية مؤسسية، في حين يُبقي على التصنيفات العقابية بحق الأفراد والشبكات المرتبطة بنظام الأسد السابق حتى حزيران 2027. وأؤكد في الخلاصة أن هذا التوجه يندرج ضمن تقارب غربي منسق، يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، ويرمي إلى تيسير التعافي الاقتصادي السوري ومنع الحكومة الانتقالية من الارتهان إلى فاعلين خارج هذه الدائرة، مع الإشارة إلى أن الشطب لا يرتّب، في القانون الجنائي الدولي، أي أثر على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، التي تبقى مستقلة تمامًا عن نظم العقوبات.
فضل عبد الغني
في 18 أيار/ مايو 2026، شطب مجلس الاتحاد الأوروبي سبعة كيانات سورية من قائمة العقوبات المفروضة بموجب اللائحة رقم 36/2012. وكان من بين هذه الكيانات وزارتا الدفاع والداخلية، وهما المؤسستان اللتان تركز أدبيات العدالة الانتقالية على ضرورة إصلاحهما في المرحلة الانتقالية.
ويمثل هذا القرار المرحلة الأخيرة في مسار تراجع تدريجي ومتسلسل لتدابير الاتحاد الأوروبي التقييدية، بدأ بتعليق العقوبات في شباط/ فبراير 2025، واستمر برفع العقوبات الاقتصادية القطاعية بموجب اللائحة رقم 2025/1098 في أيار/ مايو 2025، ليبلغ الآن ذروته بالشطب المؤسسي الكامل لوزارات الأمن السورية.
والتداعيات السياسية والقانونية لهذه الخطوة أهم بكثير من الآليات التقنية لإدارة العقوبات؛ فما قام به الاتحاد الأوروبي هو إضفاء شرعية مؤسسية على القطاع الأمني في مرحلة ما بعد الأسد، من دون إرفاق ذلك بشروط ملزمة تتعلق بإصلاح القطاع الأمني، أو التدقيق الأمني، أو المساءلة.
وكان مسار هيكلية عقوبات الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا قد اتخذ بالفعل اتجاهًا لافتًا مع تعليق العقوبات في شباط/ فبراير 2025. فقد قدمت تلك المرحلة ابتكارًا قانونيًا تمثل في إدراج مادة جديدة، هي المادة 15أ، في اللائحة 36/2012، منحت السلطات المختصة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي صلاحية الإفراج عن الأموال أو الموارد الاقتصادية المجمدة لوزارتي الدفاع والداخلية، مع اعتماد آلية «تفويض حكمي» تعدّ عدم الرد خلال خمسة أيام بمثابة موافقة.
وجاء قرار أيار/ مايو 2026 ليزيل الحاجة إلى هذا التفويض تمامًا. حيث بات بمقدور الحكومات والمتعاقدين والمؤسسات المالية في أوروبا توجيه الأموال إلى هاتين الوزارتين دون الحاجة إلى تصفية كل حالة على حدة. وتتمثل النتيجة العملية لذلك في فتح المسار أمام برامج إصلاح القطاع الأمني الممولة من الاتحاد الأوروبي، والمشتريات، والتدريب، والمساعدة التقنية، كي تتدفق مباشرة عبر الهيكل الأمني السوري الرسمي.
وكانت المملكة المتحدة قد رفعت بالفعل تصنيفاتها عن الوزارتين ذاتهما في نيسان/ أبريل 2025، فجاءت خطوة الاتحاد الأوروبي لتحقق التوافق معها. ومع إعادة التفعيل الكامل لاتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا لعام 1977 في 11 أيار/ مايو 2026، يتمثل الأثر التراكمي في تطبيع العلاقات الاقتصادية والمؤسسية بين أوروبا والحكومة السورية في المرحلة الانتقالية.
وصاغت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، القرار بعبارات سياسية صريحة، قائلة إنَّه «يرسل إشارة سياسية واضحة إلى التزام الاتحاد الأوروبي بإعادة الانخراط مع سوريا». وجدد المجلس، في الوقت نفسه، التصنيفات المفروضة على أفراد وكيانات مرتبطة بنظام الأسد الساقط حتى حزيران/ يونيو 2027، استنادًا إلى أساس معلن مفاده أنَّ «الشبكات المرتبطة بنظام الأسد السابق لا تزال تحتفظ بنفوذها وتشكل خطرًا يقوض العملية الانتقالية».
ويتميز هذا التحرك المزدوج بمعايرة مدروسة، إذ يميّز الاتحاد الأوروبي بين الدولة الانتقالية بوصفها مؤسسة تستحق الانخراط، وبين الشبكات المتبقية من النظام السابق بوصفها تهديدات مستمرة. ويقوم المنطق هنا على الاعتراف الانتقائي، حيث تُمنح الشرعية المؤسسية للحكومة الجديدة، مع الإبقاء على الضغوط العقابية ضد فاعلين محددين من النظام السابق.
وقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش، في رسالة وجهتها إلى مجلس الاتحاد الأوروبي قبيل الحوار السياسي رفيع المستوى في 11 أيار/ مايو، إلى تبني نهج «المزيد مقابل المزيد»، بحيث يربط توثيق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وسوريا بإحراز تقدم قابل للتحقق في إصلاح القطاع الأمني، والرقابة المدنية، ومسؤولية القيادة، والتدقيق الأمني. ولا يبدو أنَّ قرار الاتحاد الأوروبي قد اشترط أيًا من هذه المعايير؛ إذ جرت معالجة الشطب من خلال آلية المراجعة السنوية، ولم تتم بوصفها جزءًا من عملية مهيكلة مرتبطة بمحطات إصلاحية محددة.
ومن منظور القانون الجنائي الدولي، لا يترتب على الشطب المؤسسي لوزارتي الدفاع والداخلية من قوائم العقوبات الأوروبية أي أثر في مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية؛ إذ تظل هذه المسؤولية مستقلة تمامًا عن نظم العقوبات التي تعتمدها الدول والتكتلات الإقليمية. وقد أرست المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة هذا المبدأ بوضوح في اجتهادها المتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية، بصرف النظر عن الصفة الرسمية.
كما تبقى التصنيفات الفردية المفروضة على قادة وضباط من حقبة الأسد سارية، بما يترتب عليها من تجميد للأصول وحظر للسفر، فضلًا عن استمرار حظر الأسلحة المفروض بموجب نظام العقوبات الأمني. ويندرج هذا النمط ضمن تقارب منسق في السياسات الغربية، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوربي، وكندا.
إنَّ هذا التوافق يشير إلى حسابات مشتركة تتمثل في تسهيل التعافي الاقتصادي لسوريا، ومنع الحكومة الانتقالية من الارتهان لفاعلين غير غربيين. ويعد شطب وزارتي الدفاع والداخلية آخر تدبير للتطبيع المؤسسي يسبق الاعتراف الدبلوماسي الكامل؛ فهو يزيل الفئة الأخيرة من القيود التي كانت تعامل الجهاز الأمني الأساسي للدولة السورية الحالية بوصفه مكافئًا قانونيًا لمؤسسات حقبة الأسد التي حل محلها.






