إشكال قانوني
من جانبه، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن محاكمة المفتي السابق أحمد حسون تطرح إشكالًا قانونيًا مختلفًا عن معظم محاكمات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لأنها لا تتعلق بمنفذ مباشر للانتهاكات، وإنما بشخصية تتهم بالمساهمة في ترسيخ العنف من خلال الخطاب والموقع الرسمي الذي شغلته.
وقال عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، إن النموذج التقليدي للمساءلة يركز عادة على الجندي الذي يرتكب الانتهاك، أو المحقق الذي يمارس التعذيب، أو القائد الذي يصدر الأوامر.
بينما تقوم القضية المرفوعة بحق حسون على اتهامه باستخدام سلطته الدينية ومنصبه الرسمي للمساهمة في شرعنة العنف ودعم المنظومة التي ارتكبت الانتهاكات.
هذا النوع من المسؤولية معترف به في القانون الجنائي الدولي غير أن إثباته يعد أكثر تعقيدًا، لأن القضية لا تتعلق بالفعل المباشر، وإنما بإثبات أن الخطاب الصادر عن المتهم أسهم في تعبئة المرتكبين أو منح شرعية لأفعالهم، أو ساعد في إخراج فئات مدنية من الحماية القانونية والأخلاقية.
وأشار إلى أن لائحة الاتهام تستند إلى محاضرات وتصريحات علنية نسبت إلى حسون، بينها كلمات ألقاها أمام عناصر في الجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى مواقف تناولت المدنيين في شرق حلب وإدلب.
ويرى عبد الغني أن القيمة القانونية لهذه الأدلة لا تتحدد بمحتواها فقط، وإنما بالسياق الذي قيلت فيه والجهة التي وجهت إليها والظروف التي أحاطت بها.
تحدٍ قانوني
وأوضح مدير الشبكة الحقوقية أن التحدي القانوني الأبرز يتمثل في التكييف القانوني للاتهامات إذ إن القانون الجنائي الدولي لا يعد التحريض بحد ذاته، جريمة مستقلة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، باستثناء جريمة الإبادة الجماعية، وإنما ينظر إليه بوصفه أحد أشكال المساهمة في الجريمة مثل الأمر أو الحث أو المساعدة والتحريض أو الاضطهاد.
ولذلك، يرى أن على المحكمة أن تحدد بصورة واضحة الأساس القانوني الذي تستند إليه، وما إذا كانت تطبق نصوص قانون العقوبات السوري المتعلقة بالتحري أم تعتمد أنماط المسؤولية المعترف بها في القانون الجنائي الدولي.
وحذر من أن الخلط بين المسارين قد يضعف الحكم ويجعله أكثر عرضة للطعن في مراحل التقاضي اللاحقة.
واعتبر أن التوصيف الأكثر انسجامًا مع القانون الدولي، استنادًا إلى الوقائع التي عرضت حتى الآن، يتمثل في مساءلة حسون بوصفه مساهمًا في الجرائم من خلال التحريض أو المساعدة والتحريض.
وأكد عبد الغني أن مجرد صدور خطاب مثير للجدل لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية.
وينبغي أن تثبت المحكمة وجود صلة واضحة بين التصريحات المنسوبة إلى المتهم، والأشخاص الذين تلقوها، والجرائم التي ارتكبت لاحقًا، إضافة إلى بيان الكيفية التي أسهم بها الخطاب في تشجيع أو تبرير تلك الأفعال.
وأضاف أن الموقع الرسمي الذي شغله حسون كمفتي للجمهورية يمنح تصريحاته وزنًا خاصًا، لأن السلطة الدينية والمؤسسية تضاعف تأثير الخطاب في المتلقين لكنها لا تشكل بحد ذاتها دليلًا كافيًا على المسؤولية، حيث تبقى المحكمة مطالبة بإثبات أن هذه التصريحات استقبلت باعتبارها تشجيعًا أو غطاءً دينيًا لارتكاب جرائم محددة، وليس مجرد مواقف أو آراء سياسية أو دينية.






