أكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن قانون العفو العام اللبناني رقم 70 الصادر في 4 من أيلول الجاري، قد تكون له أهمية بالنسبة إلى السجناء والموقوفين السوريين في لبنان، لكنه لا يشكل عفواً خاصاً بالسوريين ولا يعني الإفراج الجماعي عنهم.
وقال عبد الغني في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن معيار الاستفادة من القانون يقوم على تاريخ ارتكاب الجريمة ووصفها القانوني، وليس على جنسية مرتكبها، موضحاً أن المادة الأولى تمنح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1 من آذار 2026، وتسقط، بالنسبة إلى الجرائم المشمولة، دعوى الحق العام وتمحو العقوبات الأصلية، من دون تمييز بين اللبنانيين وغير اللبنانيين.
وأضاف أن المادة السابعة تؤكد انطباق القانون على المستفيدين غير اللبنانيين، إذ تنص على تسليمهم إلى المديرية العامة للأمن العام بعد إخراجهم من السجن لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
استثناءات واسعة تحد من استفادة السوريين
وأشار عبد الغني إلى أن الاستفادة من العفو ليست تلقائية، نظراً إلى الاستثناءات الواسعة الواردة في المادة الثانية، والتي تشمل جرائم عدة، بينها القضايا المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، وبعض جرائم الإرهاب، وجرائم عسكرية محددة، والخيانة والتجسس، إضافة إلى التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب والاتجار بالبشر وغيرها من الجرائم.
وأكد أن تحديد ما إذا كان سجين سوري مشمولاً بالعفو يتطلب مراجعة التوصيف القانوني الدقيق للتهمة والحكم وملف القضية، ولا يمكن تحديد ذلك اعتماداً على الجنسية أو على التسمية العامة للقضية.
ولفت إلى أن القانون يفتح أيضاً مسارين آخرين، الأول يتمثل في تخفيض بعض العقوبات وفق المادة الثالثة بالنسبة إلى جرائم غير مشمولة بالعفو، والثاني إخلاء سبيل المدعى عليه إذا تجاوزت مدة توقيفه 12 عاماً من دون صدور حكم بحقه، وفق المادة الخامسة، مع استمرار محاكمته وفق الأصول.
82% من نزلاء السجون موقوفون احتياطياً
وربط عبد الغني القانون بأزمة العدالة الجنائية في لبنان، مشيراً إلى بيانات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المستندة إلى إحصاءات قسم حقوق الإنسان في المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي، والتي أظهرت أن عدد نزلاء السجون بلغ 6212 شخصاً في 10 من آذار 2026، كان نحو 82% منهم موقوفين احتياطياً، في حين بلغت نسبة السوريين 28.95% من إجمالي النزلاء.
وقال إن هذه الأرقام تعكس حجم مشكلتي التوقيف المطول والاكتظاظ، لكنها لا تجعل من قانون العفو بديلاً عن تسريع المحاكمات وإصلاح نظام التوقيف الاحتياطي وأوضاع السجون.
وفي سياق متصل، حذر عبد الغني من أن تطبيق القانون ينبغي ألا يؤدي إلى حصانة فعلية عن الجرائم الدولية الأساسية، مشيراً إلى أن استثناءات القانون صيغت بصورة أساسية وفق تصنيفات القانون اللبناني الداخلي، من دون استثناء جامع ومستقل تحت عنوان “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.
تسليم السوري إلى الأمن العام لا يعني ترحيله
وأوضح عبد الغني أن المادة السابعة لا تنص على ترحيل السوري المستفيد من العفو إلى سوريا، وإنما تنص على تسليمه إلى المديرية العامة للأمن العام “لاتخاذ المقتضى وفق الأصول القانونية”.
وبحسب عبد الغني، فإن ذلك يعني وجود مرحلتين قانونيتين منفصلتين: الأولى جزائية وتتعلق بالعفو أو تخفيض العقوبة أو إخلاء السبيل، والثانية إدارية تتعلق بالوضع القانوني للشخص بوصفه أجنبياً في لبنان.
وشدد على ضرورة عدم الخلط بين الإفراج من السجن، والتسليم إلى الأمن العام، والإبعاد أو الترحيل من لبنان.
وأوضح أن انتهاء الأساس الجزائي للاحتجاز لا يمنح الشخص تلقائياً حق الإقامة في لبنان، لكنه في الوقت ذاته لا يعني تلقائياً صدور قرار بترحيله إلى سوريا، إذ يتعين على الأمن العام تحديد وضعه وفق قانون تنظيم دخول الأجانب إلى لبنان وإقامتهم فيه وخروجهم منه الصادر عام 1962، إلى جانب وضع إقامته وطريقة دخوله وأي تدابير قانونية أخرى بحقه.
كما شدد على أن تسليم الشخص إلى الأمن العام لا يبرر إبقاءه قيد الاحتجاز الإداري إلى أجل غير محدد لمجرد كونه أجنبياً، مستنداً إلى ضمانات الحرية الشخصية في الدستور اللبناني والتزامات لبنان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ثلاثة سيناريوهات أمام السوريين
وحدد عبد الغني ثلاثة سيناريوهات محتملة بعد تسليم المستفيد السوري إلى الأمن العام.
- الأول هو البقاء في لبنان أو تسوية الوضع القانوني إذا كان الشخص يستوفي شروط إحدى فئات الإقامة، مشيراً إلى أن الإجراءات السارية حتى 30 من أيلول 2026 تتضمن آليات محدودة لتسوية أوضاع بعض العمال السوريين الذين دخلوا لبنان بصورة شرعية، لكنها لا تشكل حقاً عاماً لكل سوري يخرج من السجن.
- أما السيناريو الثاني فهو العودة الطوعية إلى سوريا إذا اختار الشخص ذلك ولم يوجد مانع قانوني، وهي حالة تختلف عن الترحيل القسري.
- ويتمثل السيناريو الثالث في إخراج الشخص من لبنان أو ترحيله إذا توافر أساس قانوني لذلك، مع بقاء القيود التي يفرضها القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وأكد عبد الغني أن لبنان طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب منذ عام 2000، وأن الاتفاقية تحظر إعادة أي شخص إلى دولة توجد أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون فيها معرضاً لخطر التعذيب.
وأشار إلى أن تقييم خطر العودة إلى سوريا يجب أن يكون فردياً ومحدثاً، ولا يمكن افتراض زوال الخطر عن جميع السوريين لمجرد تغير السلطة أو البيئة السياسية في سوريا، كما لا يصح افتراض وجود الخطر نفسه بالنسبة إلى كل السوريين.
لا نسبة رسمية للمستفيدين السوريين
وفي ما يتعلق بعدد السوريين الذين سيستفيدون من قانون العفو، قال عبد الغني إنه لا توجد حتى 6 من أيلول 2026 نسبة رسمية موثوقة يمكن من خلالها تحديد عدد السوريين الذين سيخرجون من السجون بموجب القانون.
وأوضح أن نسبة السوريين البالغة 28.95% من إجمالي نزلاء السجون، وفق بيانات آذار/مارس، لا تعني نسبة المستفيدين من العفو، لأن البيانات لا تصنف النزلاء وفق نوع الجرائم أو تاريخ ارتكابها أو المرحلة القضائية التي وصلت إليها قضاياهم.
كما حذر من استخدام أرقام السوريين المصنفين ضمن ما يسمى “الموقوفين الإسلاميين” لحساب نسبة عامة للمستفيدين، موضحاً أن هذه الأرقام تتعلق بفئة محددة ولا تمثل مجموع السجناء السوريين في لبنان.
وأكد أن تحديد النسبة الفعلية يتطلب مراجعة ملفات السوريين بشكل فردي، وفق تاريخ ارتكاب الفعل، والوصف القانوني للجريمة، والاستثناءات المنصوص عليها في المادة الثانية، وإمكانية الاستفادة من تخفيض العقوبة بموجب المادة الثالثة، أو إخلاء السبيل بموجب المادة الخامسة، إضافة إلى التحقق من وجود قضايا أو تدابير أخرى بحق الشخص.
وخلص عبد الغني إلى أن قانون العفو قد يكون ذا أثر مهم على عدد من السجناء والموقوفين السوريين، لكن لا توجد حالياً قاعدة موثوقة تسمح بتحديد نسبة معينة منهم ستخرج من السجون، لأن معيار الاستفادة قانوني وفردي وليس قائماً على الجنسية.
وشدد على أن خروج السوري من السجن بموجب العفو لا يحسم مصيره في لبنان، إذ يبقى وضعه بعد الإفراج مسألة قانونية مستقلة تتعلق بالإقامة أو العودة الطوعية أو احتمال الإبعاد، مع ضرورة ضمان عدم تعرضه للاحتجاز التعسفي أو إعادته إلى مكان يواجه فيه خطراً حقيقياً بالتعذيب أو غيره من الأضرار الجسيمة التي يحظرها القانون الدولي.






