أوضح في هذا المقال أن مدونة السلوك القضائي لها أهمية مميزة في سياق إعادة بناء السلطة القضائية السورية بعد عقود من تغلغل السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية في عملها، لكنها لا تمثل بديلاً عن التشريع أو عن الضمانات المؤسسية اللازمة لاستقلال القضاء. فالمدونة ليست قانوناً ينشئ حقوقاً أو يحدد اختصاصات، ولا نظاماً للعقوبات التأديبية، وإنما هي إطار معياري مهني يترجم قيم الاستقلال والنزاهة والحياد واللياقة إلى مقتضيات سلوكية عملية تحكم أداء القاضي داخل المحكمة وخارجها.
وأبيّن أن وظيفة المدونة تتجاوز مجرد إعلان المبادئ العامة؛ إذ توفر للقضاة مرجعاً واضحاً لمواجهة الاتصالات والضغوط غير المشروعة، وتسهم في توحيد الثقافة المهنية بين المحاكم، وتدعم التدريب والمشورة الأخلاقية، كما تتيح للمتقاضين والجمهور معياراً معلناً لتقييم السلوك القضائي، من دون أن يتحول النقد المشروع إلى أداة للتأثير في استقلال القضاء. وفي المرحلة الانتقالية، يمكن للمدونة أن تسهم في تفكيك أنماط الولاء للتسلسل السلطوي أو الأمني، وترسيخ الولاء للقانون بوصفه الأساس الذي تقوم عليه الوظيفة القضائية.
غير أن المقال يؤكد، في المقابل، ضرورة ضبط حدود المدونة بدقة؛ فهي ليست أداة للتدقيق في أهلية القضاة، ولا تحل محل قانون السلطة القضائية أو إجراءات المساءلة الفردية المقررة قانوناً. كما أن الخلط بين الإخلال بمعيار أخلاقي والخطأ القضائي والمخالفة التأديبية يهدد بتحويل الغموض في المعايير السلوكية إلى أساس لجزاء تعسفي، ويقيد استقلال القاضي في تفسير القانون. لذلك تنتهي المقالة إلى أن قيمة أي مدونة سورية للسلوك القضائي تتحدد بوضوح مصدرها القانوني، واتساقها مع المعايير الدولية، ودقة أحكامها، ووجود آليات مؤسسية تضمن سلامة تفسيرها وتطبيقها، وقدرتها على الجمع بين استقلال القاضي المقترن بالمسؤولية، وحماية المتقاضي، ومساءلة تحكمها الشرعية وضمانات الإجراءات العادلة.
فضل عبد الغني
إعادة تشكيل الجهاز القضائي في الدول الخارجة من الحكم السلطوي، ليست مسألة تشريعية أو أخلاقية محضة، بل تقع عند تقاطع المجالين، وتشغل مدونة السلوك القضائي هذا الحيز، لذلك ينبغي أن يبدأ أي نقاش جاد بشأن مدونة من هذا النوع في سوريا بتحديد ما لا تمثله، إذ ينشأ جانب كبير من الالتباس المحيط بدورها من التعامل معها كما لو كانت قادرة على أداء وظائف تختص بها أدوات أخرى.
فالمدونة ليست تشريعاً، ولا تنشئ حقوقاً أو واجبات أو اختصاصات، وليست مجرد إعلان للقيم، لأنَّ غرضها يتمثل في ترجمة تلك القيم إلى معايير قابلة للتطبيق. كما أنَّها ليست جدولًا للعقوبات التأديبية، لأنَّها لا تنشئ جزاءات ولا تنظم فرضها. ومن ثم، فهي إطار معياري مهني يحوّل قيم الوظيفة القضائية إلى توقعات سلوكية ملزمة للقضاة في ممارستهم الرسمية.
وبناءً على هذا الفهم، تؤدي المدونة خمس وظائف مترابطة، فهي تحدد النموذج المهني المتوقع من القاضي، من خلال ترجمة القيم الواردة في مبادئ بنغالور إلى معايير تحكم الممارسة اليومية، كما توفر إرشاداً تفسيرياً في الحالات التي لا يتناولها التشريع إلا بعبارات عامة، بدءاً من التواصل مع المتقاضين، وصولاً إلى التعامل مع وسائل الإعلام وممارسة الأنشطة الخارجية.
وتحمي القاضي، أولاً، من الضغوط غير المشروعة، بتزويده بمعيار مؤسسي معلن يستطيع الاستناد إليه في رفض الاتصالات غير الملائمة، وثانياً، من التأديب التعسفي، من خلال التمييز بين سوء السلوك والتفسير القضائي للقانون. وتؤدي أيضًا وظيفة مؤسسية عبر توحيد الثقافة المهنية بين المحاكم وعلى اختلاف درجاتها، وتنظيم التدريب، وإتاحة آليات سرية للمشورة الأخلاقية.
كما تضطلع بوظيفة تتصل بالشفافية، من خلال وضع معيار مرجعي علني أمام المتقاضين والمراقبين، بما يتيح التمييز بين انتقاد السلوك المهني وممارسة ضغط غير مشروع على السلطة القضائية.
ولا يغيّر الانتقال من هذه الطبيعة الأساسية، لكنَّه يجعل حسن تصميم المدونة أكثر أهمية من حيث النتائج، فنظرية العدالة الانتقالية، في إطار روتي تايتل، تنظر إلى القانون في مثل هذه الفترات بوصفه يؤدي مهمتين في آن واحد: الأولى استخلاص دروس الماضي والبناء عليها للمضي قدماً، والثانية إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات والخاضعين لسلطتها.
والسلطة القضائية التي عملت لعقود تحت تأثير السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، مع تفاوت أعضائها في مدى استجابتهم لذلك الضغط، لا تتخلص من عاداتها المكتسبة بمجرد إجراء إصلاح تشريعي، فقد تستمر الثقافة المهنية والافتراضات المستبطنة بشأن طبيعة الوظيفة بعد الإصلاح الشكلي، وتحتاج إلى معالجة مستدامة من خلال الممارسة المؤسسية، والتدريب، والمعايير المعلنة بوضوح. وهنا يتجلى دور المدونة، فهي لا تغيّر الثقافة المؤسسية بمفردها، لكنَّها تنقل النقاش من الحيز الضمني إلى الحيز الصريح، وتتيح تكريس الولاء للقانون، بدلًا من الولاء للتسلسل الهرمي أو للأجهزة الأمنية، بوصفه معياراً مهنياً.
وتترتب على هذا الموقع أربع وظائف انتقالية، فالمدونة تواجه ممارسات محددة تعود إلى المرحلة السابقة، بما في ذلك التوجيهات الخارجة عن الأطر الإجرائية، والتدخل الخارجي غير المشروع، والسلوك المتعارض مع الواجبات القانونية، وذلك من خلال تقديم معيار مضاد، مع إبقاء تحديد المسؤولية منوطًا بإجراءات منشأة وفقاً للقانون، وحظر التطبيق بأثر رجعي.
كما تطبق المعايير المهنية العامة المتعلقة بالتنحي، والمداولة، والتواصل، والسلوك الخارجي، ضمن سياق مستقطب يمنح القواعد العادية وزناً استثنائياً، وتسهم، بصورة تراكمية، في استعادة ثقة الجمهور، من دون أن تحل محل السلوك المؤسسي الفعلي أو المساءلة المستقلة.
غير أنَّ المدونة ليست أداة للتدقيق في الأهلية، لأنَّ هذا التدقيق يتطلب أساساً قانونياً مستقلاً، وإجراءات فردية، وضمان حقوق الدفاع. كما أنَّها لا تحل محل القانون الناظم للسلطة القضائية، الذي يختص وحده بتنظيم التعيين، والترقية، والتأديب، وبنية المجالس القضائية. كذلك لا تعالج غياب الضمانات المؤسسية للاستقلال، إذ لا يمكن لأي نص أخلاقي أن يوفر تلك الضمانات.
وتحدد الطبيعة القانونية للمدونة حدود أثرها، فالتمييز التقليدي بين القانون الملزم والقانون غير الملزم لا يكفي في هذا السياق، لأنَّ المدونة الواحدة قد تتضمن مبادئ تأسيسية، وإرشادات تفسيرية، وواجبات سلوكية محددة، وقواعد تفصّل التزامات مقررة أصلًا في التشريع، ومن الأدق وصف المدونة بأنَّها أداة معيارية متفاوتة الآثار.
ويتوقف أثرها على أربعة عوامل مجتمعة: الجهة التي تصدرها وأساسها التشريعي، وموقعها في هرم القواعد، وصياغة أحكامها، والآليات المتاحة لتفسيرها والرقابة عليها. ولا يحدد أي عامل من هذه العوامل، منفردًا، القوة الإلزامية لأي حكم بعينه.
أما التمييز الأشد أهمية، فهو التمييز بين المدونة والنظام التأديبي، فمخالفة المدونة لا تشكل، في حد ذاتها، مخالفة تأديبية، ولا تكتسب بعض أحكامها هذا الأثر إلا عندما تقرره قاعدة واضحة ومتوقعة ومأذونًا بها قانونًا، بما ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية.
ومن ثم فإنَّ اعتماد قاعدة عامة تجعل كل مخالفة للمدونة مخالفة تأديبية من شأنه أن ينقل الغموض الأخلاقي إلى نظام عقابي، وأن يحد بصورة غير مباشرة من الوظيفة التفسيرية للقاضي. ولذلك يجب إبقاء المخالفة التأديبية، والإخلال بمعيار سلوكي، والخطأ القضائي، منفصلةً بعضها عن بعض، فالأولى تستتبع جزاءً يستند إلى أساس قانوني واضح، والثانية تستدعي الإرشاد والمشورة، أما الثالثة فتعالج عادة عن طريق الطعن، ما لم يكن السلوك ذاته يشكل مخالفة تأديبية محددة. ولا يعفي الاستقلال القضاة من المساءلة، بل يقتضي أن تكون هذه المساءلة محددة بموجب القانون، وأن تُدار من دون ضغط يتصل بمضمون القرارات القضائية.
وتقوم الحجة على معادلة واحدة: تكتسب مدونة السلوك القضائي مكانها في المرحلة الانتقالية عندما تدعم استقلال القاضي المسؤول، وتحمي المتقاضي، وتتيح مساءلة يحكمها القانون، من دون أن تتحول إلى أداة تأديبية منفلتة من الضوابط. ووفقًا لهذه المعادلة، ينبغي تقييم أي مشروع سوري استنادًا إلى مصدره وعملية إعداده، ومدى اتساقه مع الإطار الدستوري النافذ والمعايير الدولية، ووضوح أحكامه وتناسبها، والبنية التحتية العملية التي تسنده، والدقة التي يرسم بها الحد الفاصل بين الإخلال الأخلاقي والجزاء القانوني، فالمدونة ليست سوى عنصر واحد ضمن إصلاح أوسع، وتكمن قيمتها في شغل موقعها الصحيح.






