ضمانات قانونية وصحية
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن مسألة الحرمان من الحرية تخضع للمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وتكفل إبلاغ الشخص بأسباب القبض عليه وعرضه سريعًا على قاضٍ، إلى جانب تمكينه من الطعن في قانونية احتجازه.
وأوضح عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن المادتين السابعة والعاشرة من العهد تكملان هذه الضمانات، من خلال حظر التعذيب وسوء المعاملة، وفرض معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم.
وعلى المستوى الداخلي، أشار إلى أن المادة 18 من الإعلان الدستوري لعام 2025 تحظر التعذيب والاختفاء القسري، ولا تجيز توقيف الشخص أو تقييد حريته، باستثناء حالة الجرم المشهود، إلا بموجب قرار قضائي.
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 1108 حالات اعتقال تعسفي واحتجاز خلال عام 2025، بينها 73 طفلًا و26 سيدة، فيما وثقت 246 حالة خلال النصف الأول من عام 2026.
وأشار عبد الغني إلى أن هذه الأرقام تمثل حدًا أدنى للحالات التي تمكنت الشبكة من توثيقها، ولا تعكس بالضرورة جميع الوقائع، سواء الحالات التي لم يتم الإبلاغ عنها أو تلك التي تعذر التحقق منها.
متى يصبح الاحتجاز تعسفيًا؟
المشكلة لا تكمن في وجود عمليات توقيف بحد ذاتها، إذ يمكن أن تكون بعض إجراءات القبض مشروعة في سياق الملاحقة الجزائية، وإنما في مدى خضوع هذه الإجراءات للقيود والضمانات القانونية.
وأوضح عبد الغني أن من بين هذه الضمانات وجود قرار قضائي، وإبلاغ الشخص بسبب توقيفه، وتمكينه فعليًا من الدفاع عن نفسه، وتوثيق مكان احتجازه ضمن سجل رسمي، إلى جانب إخضاع استمرار حرمانه من الحرية لرقابة قضائية مستقلة.
غياب هذه الضمانات، وفقًا لعبد الغني، يمكن أن يحول الاحتجاز من إجراء قانوني إلى احتجاز تعسفي، حتى لو كان التوقيف مرتبطًا بادعاء بارتكاب جريمة أو بنزاع مالي.
وأشار إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 35 بشأن المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تؤكد أن الاحتجاز قد يكون تعسفيًا حتى لو استند إلى قانون داخلي، عندما تغيب عنه الضرورة أو التناسب أو الضمانات الإجرائية أو الرقابة القضائية الفعلية.
وبحسب عبد الغني، تشمل أبرز المؤشرات التي تستدعي الرصد والتحقيق خلال المرحلة الحالية، القبض أو الاحتجاز من دون قرار قضائي خارج حالة الجرم المشهود، وعدم إبلاغ المحتجز فورًا بسبب توقيفه أو الجهة المسؤولة عن احتجازه، وحرمانه من الاتصال المبكر والفعلي بمحام أو بأسرته.
كما تشمل، وفقًا له، الاحتجاز في أماكن غير معلنة أو خارج سجل رسمي قابل للمراجعة، واستخدام التهديد أو الإكراه أو العنف أثناء الاستجواب، إضافة إلى عدم توفير الفحص أو العلاج الطبي عند الحاجة أو إخفاء السجلات المتعلقة بالإصابات والحالة الصحية، وغياب تحقيق مستقل عندما تتوافر قرائن معقولة على التعذيب أو سوء المعاملة.
الرعاية الصحية للمحتجزين
وفيما يتعلق بالحالات الصحية للموقوفين، شدد عبد الغني على أن حظر التعذيب وسوء المعاملة لا ينفصل عن حق المحتجز في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
وأوضح أن المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فيما تلزم المادة العاشرة بمعاملة المحتجزين معاملة إنسانية.
اتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيما المواد 2 و12 و13 منها، تلزم باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب، وإجراء تحقيق سريع ونزيه عندما توجد أسباب معقولة للاعتقاد بوقوعه.
وأشار إلى أن قواعد نيلسون مانديلا تؤكد أن الرعاية الصحية للمحتجزين مسؤولية تقع على عاتق الدولة، وأنها يجب أن تقدم بالمستوى نفسه المتاح في المجتمع ومن دون تمييز.
وتقتضي هذه القواعد، بحسب عبد الغني، إجراء فحص طبي عند دخول الشخص إلى الاحتجاز، وتقديم العناية العاجلة في الحالات الطارئة، وإحالة من يحتاج إلى علاج متخصص إلى مؤسسة صحية مناسبة.
وفي هذا السياق، يرى عبد الغني أن الجهة التي توقف أي شخص يجب أن توثق ساعة ومكان وسبب التوقيف، وهوية الجهة التي نفذته، وأي قرار قضائي ذي صلة، إلى جانب إبلاغ المحتجز بحقوقه وسبب احتجازه بلغة يفهمها، وتمكينه سريعًا من التواصل مع محام وأفراد أسرته.
كما يجب عرض المحتجز على قاض مستقل لمراجعة قانونية توقيفه ومدى استمرار احتجازه، وإجراء فحص طبي أولي عند دخوله مكان الاحتجاز، وفحص إضافي عند الطلب أو ظهور أي علامة مرض أو إصابة، بحسب عبد الغني.
وشدد على ضرورة الحفاظ على سرية الفحوص والسجلات الطبية ومنع استخدامها في الاستجواب أو للضغط على المحتجز، ونقل المحتجز فورًا إلى مستشفى أو مركز متخصص عندما تستدعي حالته ذلك، من دون أن يؤدي التحقيق أو إجراءات الحراسة إلى تأخير العلاج.
وأضاف أن أي إصابة أو ادعاء بسوء المعاملة يجب أن يوثق بواسطة طبيب مستقل، وفق المبادئ المهنية الواردة في بروتوكول إسطنبول.
التحقيق والمساءلة
وقال عبد الغني إنه في حال خروج محتجز من مكان الاحتجاز بحالة صحية خطرة، يجب أن تكون الأولوية لعلاجه وإنقاذ حياته، بالتوازي مع تأمين الأدلة المتعلقة بما جرى خلال فترة احتجازه.
وتشمل هذه الأدلة سجل التوقيف والمناوبات وأوامر النقل، وأي تسجيلات مرئية والسجلات الطبية، إلى جانب أقوال العاملين الصحيين والمحتجزين الآخرين.
ولفت إلى أن التحقيق في هذه الحالات لا ينبغي أن يترك للجهة الأمنية التي يشتبه في تورطها أو تقصيرها، معتبرًا أن التحقيق المستقل يمثل شرطًا أساسيًا للوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
وأشار إلى أن المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب تلزم السلطات المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه عند وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب أو سوء معاملة، فيما تكفل المادة 13 حق تقديم الشكاوى والحماية من الانتقام، وتقرر المادة 14 حق الضحية في الإنصاف والجبر.
منظومة دائمة للرقابة
معالجة ملف الاحتجاز لا ينبغي أن تقتصر على تشكيل لجان استثنائية بعد وقوع كل حادثة، وإنما تحتاج إلى بناء منظومة دائمة للوقاية والمساءلة.
وتشمل هذه المنظومة حصر صلاحية القبض والاحتجاز بجهات محددة قانونًا وخاضعة لإشراف النيابة العامة والقضاء، وإغلاق أي مركز احتجاز غير رسمي أو غير معلن، وإنشاء سجل وطني موحد للمحتجزين يتيح للقضاء معرفة مكان الاحتجاز وسببه والوضع القانوني والصحي للشخص المحتجز.
كما دعا إلى ضمان الزيارات المنتظمة وغير المعلنة من قضاة مختصين وآلية رقابة مستقلة، والسماح بالتواصل السري مع المحتجزين.
ويمكن أيضًا إنشاء آلية شكاوى آمنة للمحتجزين والأسر والمحامين والعاملين الصحيين، مع توفير حماية قانونية فعلية للشهود والمبلغين.
وأكد ضرورة إسناد التحقيق في ادعاءات التعذيب أو الوفاة أو الضرر الصحي الجسيم إلى نيابة وقضاة وخبراء طب شرعي مستقلين عن الجهة المتهمة، مع تعليق العناصر المشتبه في تورطهم عن المهام ذات الصلة خلال فترة التحقيق، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
واقترح نشر بيانات دورية عن أعداد المحتجزين وأماكن الاحتجاز والشكاوى ونتائج التحقيقات، بما لا يضر بالخصوصية أو بسير العدالة.
وختم عبد الغني بالدعوة إلى النظر في انضمام سوريا إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وإنشاء آلية وطنية وقائية مستقلة وفق المعايير التي يحددها البروتوكول.






