أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن بعثة الأمم المتحدة خلصت في تقريرها المؤرخ في 13 أيلول/سبتمبر 2013 إلى استخدام أسلحة كيميائية تحتوي على غاز السارين في الغوطة في 21 آب/أغسطس 2013، فيما اقتصر تفويضها على إثبات استخدام السلاح الكيميائي من دون تحديد الجهة المنفذة أو المسؤولية الجنائية الفردية. ومن ثم، يحتاج إسناد المسؤولية إلى شخص أو جهة بعينها إلى أدلة إضافية تتجاوز إثبات استخدام السارين.
وقال عبد الغني، في تصريحات لـ”نون بوست”، إن استخدام السارين ضد المدنيين كان محظورًا وقت الهجوم بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي وبروتوكول جنيف لعام 1925، ويمكن، متى استوفيت الأركان الواقعية والذهنية اللازمة، أن يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
عزّز انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في تشرين الأول/أكتوبر 2013، في مرحلة لاحقة، التزامات الدولة المتعلقة بالإعلان والتعاون والتحقق والتدمير، فيما يستند حظر الفعل المرتكب في آب/أغسطس 2013 إلى قواعد قانونية دولية كانت نافذة وقت وقوع الهجوم.
وأشار عبد الغني إلى أن فتح الأرشيفات والمواقع العسكرية والأمنية يتيح الانتقال من قرائن متساندة بشأن مصدر الهجوم إلى أدلة قد تثبت صلة أفراد محددين بعملية اتخاذ القرار والتنفيذ، وتتركز القيمة الإثباتية في ثلاث مجموعات مترابطة:
- أدلة القدرة والحيازة: سجلات إنتاج السارين، أو تخزينه أو تعبئته أو نقله أو تسليم الذخائر.
- أدلة القرار والاتصال: أوامر العمليات، وسلاسل التوقيع، ومحاضر الاجتماعات، والاتصالات العسكرية والأمنية.
- أدلة التنفيذ والتستر: سجلات الوحدات والتحركات وعمليات الإطلاق، وتقارير ما بعد العملية، وأوامر إخفاء الأدلة أو تعديل السجلات.
وأضاف عبد الغني أن الشبكة وثقت مقتل ما لا يقل عن ألف و144 شخصًا وإصابة نحو خمسة آلاف و935 آخرين في هجوم الغوطتين، موضحًا أن هذه الحصيلة توثيقية وتستند إلى قاعدة بيانات الشبكة، ويختلف نطاقها عن الأحكام القضائية أو التقديرات النهائية لأعداد الضحايا.
ويرى عبد الغني أن التحول الأهم يكمن في إعادة اختبار الأدلة المتاحة سابقًا في ضوء سجلات داخلية أولية أصبحت متاحة بعد سقوط النظام، فإثبات امتلاك السارين أو تطويره يحدد القدرة على استخدامه، فيما يتطلب إسناد المسؤولية عن هجوم الغوطة إثبات الصلة بين القدرة الكيميائية والقرار العملياتي والوحدة المنفذة، وتحديد الأشخاص الذين امتلكوا سلطة أو معرفة مرتبطة بالجريمة.
كيف يمكن إثبات صلة الأشخاص بالهجوم؟
- الموقع المعرفي: هل كان الشاهد في موقع يتيح له معرفة مباشرة، لا سماعية، بالوقائع؟
- درجة التحديد: هل يقدم أسماء ووحدات وتواريخ ومسارات اتصال أو تعليمات قابلة للتحقق؟
- التعضيد الخارجي: هل تؤيد شهادته وثائق أصلية، أو بيانات اتصالات، أو آثار مادية، أو شهادات مستقلة، أو تحليلات عسكرية وفنية؟
وينبغي البحث، على وجه الخصوص، عن أوامر الحيازة والنقل، وموافقات استخدام الذخائر، وسجلات الاتصالات، وهيكل القيادة الفعلي، وتقارير التنفيذ، وأي تعليمات لاحقة بإخفاء الأدلة أو عرقلة التحقيق.
وتشير هذه المعايير إلى أن فتح الأرشيفات لا يمثل نهاية التحقيق، بل بداية مرحلة جديدة تهدف إلى ربط المعلومات المتاحة بسلسلة القيادة والقرارات التي سبقت الهجوم، وصولًا إلى تحديد المسؤوليات الفردية وفق معايير الإثبات المطلوبة قضائيًا.
مسارات المحاسبة المتاحة
رغم أن سقوط النظام السوري السابق أتاح الوصول إلى معلومات ومواقع وأرشيفات قد تساعد في كشف المسؤولين عن الهجمات الكيميائية، إلا أن تحويل هذه الأدلة إلى محاسبة فعلية يرتبط بوجود مسار قضائي قادر على التعامل مع الجرائم الدولية، وتوافر الضمانات القانونية اللازمة لجمع الأدلة وحفظها وتقديمها أمام جهات مختصة.
ولفت عبد الغني إلى أن قرار مجلس الأمن 2118 لعام 2013 أكد ضرورة محاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، لكنه لم يُحِل الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولم ينشئ محكمة خاصة للنظر فيه.
كما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، بهدف جمع الأدلة وتحليلها وإعداد ملفات يمكن أن تدعم إجراءات جنائية أمام جهات قضائية مختصة.
وأشار عبد الغني إلى أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليست جهة ادعاء أو محكمة، وأن وجودها في سوريا لا يمنحها اختصاصًا تلقائيًا بتحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن هجوم الغوطة، رغم أن فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لها تمكن من إسناد مسؤولية هجمات كيميائية أخرى إلى القوات المسلحة السورية، من بينها اللطامنة وسراقب ودوما وكفر زيتا.
ويرى عبد الغني أن فرص المحاسبة تبقى رهينة مجموعة من الضمانات، وقد يتعثر المسار إذا استُخدمت الأرشيفات بصورة انتقائية، أو غابت حماية الشهود، أو خضعت النيابة والقضاء لتأثير السلطة التنفيذية، أو اقتصرت المساءلة على منفذين من رتب محدودة.
أما نجاح هذا المسار فيتطلب تحقيقًا مستقلًا، وتعاونًا منضبطًا مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وضمانات فعلية للمحاكمة العادلة وصون حقوق الضحايا.
ويُعد المسار السوري مسار الاختصاص الإقليمي الأصلي والمفضل مبدئيًا، على أن ترتبط مصداقيته بتوافر الاستقلالية والقدرة والضمانات القانونية اللازمة، كما يتطلب تطبيق قواعد الحظر العرفي والدولي أمام القضاء الوطني مراعاة مبدأ الشرعية وتحديد الأساس القانوني الملائم للملاحقة.
ويستلزم ذلك تدقيق التشريعات السورية النافذة وقت ارتكاب الجريمة، ومكانة المعاهدات والقواعد العرفية في النظام القانوني السوري، ومدى وجود نصوص تجرّم الأفعال ذات الصلة، ومنها القتل العمد واستهداف المدنيين واستخدام المواد السامة.
كما يتطلب الأمر تحديد الحاجة إلى تشريع انتقالي ينظم الاختصاص بالجرائم الدولية من دون تطبيق رجعي محظور، أو إنشاء غرف قضائية متخصصة، أو اعتماد نموذج قضائي مختلط يتمتع بالاستقلال والضمانات اللازمة للمحاكمة العادلة.
وبحسب تقييم الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ينبغي أن يُبنى كل ملف على أربعة عناصر:
- إثبات الواقعة: نوع المادة الكيميائية، وطريقة استخدامها، والمواقع المستهدفة، والضحايا.
- إثبات الرابط: صلة المتهم بالأمر أو التخطيط أو التمكين أو التنفيذ أو التستر.
- سلامة الدليل: مصدره، وأصالته، وسلسلة حيازته، وإمكان الإفصاح عنه للدفاع.
- حماية المشاركين: حماية الشهود والضحايا، وإدارة مخاطر كشف الهوية أو التعرض للانتقام.
ولا تضطلع هيئات الحقيقة أو مؤسسات العدالة الانتقالية بوظيفة الادعاء القضائي، وإن كان بإمكانها حفظ المعلومات وتقديم التوصيات ودعم حقوق الضحايا، بحسب ما أوضحه عبد الغني. أما قرار توجيه الاتهام، فينبغي أن يصدر عن نيابة مستقلة ويخضع لرقابة قضائية.
وأوضح أن المحاكم الأجنبية يمكنها، وفقًا لقانون كل دولة، التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة وملاحقة المشتبه بهم السوريين، فيما تختلف شروط الاختصاص والحضور، وإمكان المحاكمة الغيابية، وقواعد قبول الأدلة من ولاية قضائية إلى أخرى.
لذلك، يتطلب نقل أي ملف توثيقي تكييفه مع القواعد الإجرائية والإثباتية المعمول بها في الدولة المعنية، مع احترام التزامات السرية، وحقوق الدفاع في الاطلاع على الأدلة، ومتطلبات حماية المصادر، وأشار عبد الغني إلى أن المسارين الوطني والقائم على الولاية القضائية العالمية يمكن أن يتكاملا في ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم.






