إرث المنظومة الأمنية
يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لموقع تلفزيون سوريا، إن التعذيب يتكرر عندما يقوم التحقيق، عملياً، على انتزاع الاعترافات بدلاً من جمع الأدلة المادية والرقمية والشهادات المستقلة. ولا يمثل ذلك خللاً تقنياً في أداء المحقق فحسب، بل يعكس تصوراً للسلطة الأمنية يجعل المحتجز موضوعاً للسيطرة والإكراه، لا شخصاً يتمتع بالحقوق والضمانات القانونية.
ويتفاقم الخطر وفق عبد الغني، خلال المرحلة الانتقالية إذا أُبقيت كوادر أو وحدات أو أنماط عمل من البنية السابقة من دون تدقيق مهني وقانوني فردي، أو إذا انتقلت السيطرة على أماكن الاحتجاز إلى جهات جديدة من دون اعتماد نظام موحد وواضح للاحتجاز والتحقيق.
ويرى عبد الغني أنه لا تكفي في هذه الحالات الإحالة الشكلية إلى النيابة العامة أو القضاء. فالضمانة تتمثل في مثول المحتجز سريعاً أمام قاضٍ مستقل يتمتع بسلطة فعلية للتحقق من قانونية الاحتجاز، والأمر بالإفراج، وفحص ادعاءات التعذيب، واستبعاد الأدلة غير المشروعة.
وتشدد مبادئ الأمم المتحدة لحماية الأشخاص الخاضعين لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على ضرورة توثيق الاحتجاز وأسبابه والسلطة المختصة التي أمرت به، وإبلاغ المحتجز بحقوقه، وتمكينه من الاتصال بمحامٍ، وإتاحة الرقابة القانونية على الاحتجاز.
انعدام قابلية التتبع والمسؤولية الفردية
يضيف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن “المحاسبة تتعذر عندما لا يُعرف من ألقى القبض، ومن نقل المحتجز، ومن تولى حراسته، ومن استجوبه، ومن أصدر الأمر أو وافق عليه، كما أن غياب سجل مركزي وفوري للاحتجاز، أو تعدد الجهات التي تدير مراكز احتجاز لا تخضع لنظام موحد، أو السماح بالاستجواب خارج أماكن معلومة، كلها عوامل تخلق بيئة مواتية للتعذيب والإخفاء القسري والإفلات من العقاب”.
ويشير إلى أن التدريب لا يغير السلوك ما دام احتمال اكتشاف الانتهاك والتحقيق فيه والمعاقبة عليه ضعيفاً. كما لا تكفي العقوبات التأديبية الداخلية وحدها في حالات التعذيب؛ فالتعذيب جريمة تستوجب تحقيقاً جنائياً مستقلاً، لا معالجة إدارية مغلقة داخل المؤسسة ذاتها.
كيف يمكن ضبط الانتهاكات؟
يشدد عبد الغني على أن الحد من التعذيب وسوء المعاملة، يتطلب إنشاء سجل وطني فوري لجميع المحتجزين، وحظر الاحتجاز والاستجواب في المواقع غير المعلنة، وضمان الاتصال بمحام والعائلة والفحص الطبي المستقل، مع تسجيل التحقيقات صوتا وصورة وإحالة الشكاوى مباشرة إلى جهة قضائية مستقلة. كما يحتاج الإصلاح إلى تدقيق نزاهة العاملين قبل التعيين والترقية، وتطوير التحقيق الجنائي القائم على الأدلة بدلا من الاعتماد على الاعتراف. وتمثل مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الداخلية في 21 تشرين الثاني 2025 خطوة إيجابية بما تتضمنه من مبادئ لحماية الحقوق ومنع سوء المعاملة واستخدام القوة المفرطة، لكنها تبقى محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات قانونية ومؤسسية وآليات مستقلة للمساءلة والرقابة.
ويلخص التدابير الممكنة لضبط الانتهاكات بمايلي:
- إنشاء سجل وطني مركزي وفوري لجميع حالات الحرمان من الحرية، يثبت فيه وقت القبض ومكانه، والجهة القائمة به، وسبب الاحتجاز، ومكان الاحتجاز، وعمليات النقل، وهوية المحققين والحراس.
- حظر أي احتجاز أو استجواب في مواقع غير معلنة رسمياً، وإغلاق أماكن الاحتجاز غير النظامية فوراً.
- ضمان الاتصال الفوري بمحامٍ وبالعائلة، وإجراء فحص طبي مستقل عند الدخول إلى مكان الاحتجاز، وعند النقل، وعند ادعاء التعذيب.
- تسجيل الاستجوابات صوتاً وصورةً، مع حفظ النسخة الأصلية في نظام محمي وقابل للمراجعة القضائية، وعدم قبول أي إفادة غير مسجلة أو منتزعة خارج الضمانات الأساسية.
- إنشاء هيئة مستقلة للتحقيق في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة، تتمتع باستقلال وظيفي ومالي عن وزارة الداخلية وسائر الأجهزة التي قد تكون محل شكوى.
- إحالة ادعاءات التعذيب مباشرة إلى نيابة عامة أو جهة قضائية مختصة، مع منحها صلاحية تجميد عمل المشتبه بهم عند الضرورة، حمايةً للتحقيق والشهود.
- اعتماد تدقيق فردي للنزاهة قبل التعيين والترقية في الشرطة والأمن والسجون، بما يمنع تولي الأشخاص الذين تتوافر بحقهم معلومات موثوقة عن تورطهم في انتهاكات جسيمة مناصب تمنحهم سلطة على المحتجزين.






