فضل عبد الغني،
قد يكون من السهل اختزال الحكم الصادر في 27 آب 2026 عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق عبد الناصر برّاقي في صورة مألوفة: شخص يُزعم أنَّه كان مخبراً لصالح النظام المخلوع، حُكم عليه بالإعدام، وصودرت أمواله، ورُفض منحه أسباباً مخففة. غير أنَّ القضية، فيما يتجاوز هذا التأطير، تثير سؤالاً حول المساءلة: ما حدود المسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين لم يكونوا على رأس جهاز أمني، ولم يتولوا شخصياً ممارسة التعذيب، لكنَّ أفعالهم المتعمدة أسهمت في نقل الضحايا إلى منظومة من الاحتجاز والإخفاء والموت؟
وفقاً للرواية الرسمية للمحكمة، أُدين برّاقي بجرائم الإخفاء القسري، والحرمان من الحرية، والاشتراك في القتل القصد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسرقة بالعنف، والافتراء الجنائي. وقد أدغمت المحكمة العقوبات، وفرضت أشد العقوبات المتاحة، وجعلت مصادرة أمواله واجبة التنفيذ. وقد استندت المحكمة إلى القانون الدولي في توصيف بعض الأفعال بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما طبقت القانون السوري في تحديد العقوبات. ولم يُنشر بعد الحكم الكامل مشتملاً على أسبابه.
ولا تنشئ صفة «المخبر» بذاتها مركزاً قانونياً. فالقانون الجنائي لا يعاقب الأشخاص بسبب الأوصاف التي تنسب إليهم، وإنَّما يعاقب على الأفعال متى ثبتت العناصر القانونية للمسؤولية. والسؤال هو ما إذا كان المتهم قد أتى، عن علم، أفعالاً جعلته، بموجب قاعدة قانونية محددة، مسؤولاً جنائياً عمَّا أعقبها. وأي خروج عن هذا المبدأ يحوّل الملاحقة إلى إسناد جماعي للمسؤولية، ويقوّض الالتزام بسيادة القانون الذي يُفترض أن تسعى العدالة الانتقالية إلى ترسيخه.
يشكل الاشتراك الجرمي المسألة القانونية المحورية. فالمادتان 218 و219 من قانون العقوبات السوري لعام 1949 تُسندان المسؤولية الجنائية إلى الأشخاص الذين يقدمون إرشادات، أو يشددون عزيمة الفاعل الأصلي، أو يساعدون في أفعال تهيئ للجريمة أو تسهلها أو تتممها. وتتدرَّج العقوبة تبعاً لجسامة الإسهام: فالمتدخل الذي لولا مساعدته لما ارتكبت الجريمة يُعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي نفسها، أما سائر المتدخلين فيُعاقبون بعقوبة أخف هي الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من اثنتي عشرة إلى عشرين سنة حين تكون عقوبة الفاعل الإعدام.
وبلوغُ العقوبة حدَّها الأقصى في قضية برّاقي يشير إلى أنَّ المحكمة طبَّقت الفقرة الأولى من المادة 219، فعاملته بوصفه متدخلاً كانت مساهمته حاسمة، لا متدخلاً عادياً تنطبق عليه العقوبة الأخف.
ومن حيث المبدأ، يمكن لهاتين المادتين أن تنطبقا على شخص لم يدخل قط مركز احتجاز؛ أي على المخبر الذي اكتفى بنقل المعلومات دون أن يشارك بنفسه في الاعتقال أو فيما تلاه. غير أنَّ ذلك مشروط بأمرين: أن يكون قد قدَّم المعلومات عمداً وبقصد التسبب في الاعتقال، وأن تتحقق في حقه سائر الشروط القانونية للاشتراك في الجرائم التي أعقبت ذلك، من تعذيبٍ أو إخفاءٍ أو قتل. وهذه النظرية القانونية ليست جديدة. أما ما يبدو جديداً في مسار العدالة الانتقالية الراهن، فهو تطبيقها علناً على شخص يُزعم أنَّه كان مخبراً أمنياً، في شأن جرائم قيل إنَّها ترتبت على تقاريره.
يقدم الاجتهاد القضائي الجنائي الدولي مرجعاً مقارناً مفيداً، وإن كان معياره لا يتطابق مع القانون السوري. فقد وصفت السوابق القضائية للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا المساعدة والتحريض بأنَّهما تقديم مساعدة أو تشجيع أو دعم معنوي يكون له أثر جوهري في ارتكاب الجريمة، مقترناً بعلم المتهم بأنَّ مساعدته قد يسّرت ارتكابها. ولا تتطلب هذه الصياغة إثبات أنَّ الجريمة كان يستحيل وقوعها لولا مساهمة المتهم. وإنَّما يتعين إثبات وجود صلة فردية محددة بين المساعدة، وأثرها الجوهري في ارتكاب الجريمة، وعلم المتهم بأنَّ مساهمته قد يسّرت وقوعها.
وعلى صعيد العقاب، يكشف هذا المرجع المقارن عن فارق رئيسي: فالمحكمتان الدوليتان لا تعرفان عقوبة الإعدام، وأقصى ما يمكن أن توقعاه هو السجن المؤبد، مع تقدير العقوبة في كل حالة على حدة. كما استقرَّ اجتهادهما على أنَّ المساعدة والتحريض صورة أدنى من صور المسؤولية بالقياس إلى الارتكاب المباشر أو الأمر بالجريمة أو المشاركة في مشروع جرمي مشترك، وأنَّها تستوجب من ثمَّ عقوبة أخف.
وهذا التمييز له أهمية مماثلة بالنسبة إلى تهمة الافتراء. فالمادة 393 من قانون العقوبات تجرّم الإبلاغ، عن علم، عن شخص بريء، وتنص على صورة مشددة من الجريمة يُعاقب عليها بالحبس من عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة عندما يفضي الافتراء إلى صدور حكم قضائي بالإعدام أو بالسجن المؤبد.






