فضل عبد الغني
إن طلب النيابة العامة السورية، في 6 آب/ أغسطس 2026، إنزال العقوبة القصوى بأحمد بدر الدين حسون، المفتي العام السابق للنظام المخلوع، وقرار محكمة الجنايات الرابعة، الصادر في 24 آب/ أغسطس، بفرض السجن المؤبد بدلًا من الإعدام، يشكلان حلقة واحدة قد يسهل إساءة فهم دلالتها التحليلية، وقد أثيرت هذه المسألة معي من قبل عدة إعلاميين فجاء هذا المقال. فقد قُرئت المسافة بين طلب الإعدام والحكم بالسجن المؤبد ضمن إطارين خاطئين: أولهما بوصفها تعبيرًا عن ضبط قضائي في مواجهة تشدد النيابة، وثانيهما بوصفها خطوة نحو وقف فعلي، بحكم الأمر الواقع، لعقوبة الإعدام في مسار المساءلة السوري. ولا يسوغ أي من هذين التفسيرين استنادًا إلى الأدلة المتاحة حاليًا. فالأهمية الحقيقية للقضية تكمن في موضع آخر، يتمثل في محاولة المحكمة الجمع بين جرائم منصوص عليها سلفًا في القانون الجنائي السوري وتكييف الأفعال بوصفها جرائم دولية، وما تثيره هذه البنية الهجينة من مسائل فقهية تتصل بمبدأ الشرعية، وأنماط المسؤولية، وشكل العدالة الانتقالية السورية.
يثبت منطوق الحكم خمس إدانات استنادًا إلى أحكام قائمة في قانون العقوبات. فقد أُدين حسون، بموجب المادتين 298 و216، بارتكاب اعتداء يرمي إلى إثارة الحرب الأهلية والفتنة الطائفية، وحُكم عليه بالسجن المؤبد مدى حياته الطبيعية؛ وبموجب المادتين 533 و216، بالتحريض على القتل القصد، وحُكم عليه بالسجن عشرين عامًا؛ وبموجب المادة 533 والفقرتين (ب) و(د) من المادة 218، بالاشتراك الأصلي في القتل القصد، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات؛ وبموجب المادة 342، بإساءة استعمال الوظيفة العامة، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات وبغرامة قدرها 195,000 دولار أمريكي، تعادل ثلاثة أمثال المبالغ التي تلقاها مقابل الإفراج عن محتجزين؛ وبموجب المادة 307، مع ترتيب الآثار المنصوص عليها في المادة 65، بالتحريض على النعرات الطائفية والعنصرية. وقد دُمجت العقوبات السالبة للحرية عملًا بالمادة 204، مع الأمر بتنفيذ عقوبة السجن المؤبد وحدها. كما قُضي بالتعويض للمدعين بالحق المدني الذين قُبلت دعاواهم، وبمصادرة الممتلكات، مع الإبقاء على حق الطعن أمام محكمة النقض.
وتدور مسألة عقوبة الإعدام، في المقام الأول، حول المادة 298. فبحسب النص الذي أوردته سوريا في مذكراتها المقدمة إلى منظومة هيئات معاهدات الأمم المتحدة، تعاقب هذه المادة بالسجن المؤبد على الاعتداء الذي يرمي إلى إثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال بين الجماعات، لكنَّها تجيز الحكم بالإعدام إذا حقق الاعتداء غايته. ومن ثم، كانت عقوبة الإعدام متاحة من الناحية القانونية بالنسبة إلى واحدة على الأقل من الجرائم التي انتهى الحكم إلى الإدانة بها. ومع ذلك، لم تفرض المحكمة هذه العقوبة. غير أنَّ السجل العلني لا يكشف سبب ذلك، إذ لم يُتح الحكم الكتابي المعلل للجمهور، كما أنَّ النطق الشفهي بالحكم لا يتضمن تحليلًا للعقوبة مادةً مادة. ولذلك، فإنَّ الصياغة التي يمكن الدفاع عنها هي أنَّ النيابة طلبت الإعدام، وأنَّ المحكمة فرضت السجن المؤبد. أما القول إنَّ المحكمة مارست سلطة تقديرية قضائية محددة يمكن نقلها، من حيث المبدأ، إلى قضايا أخرى، فلا يمكن إثباته حتى الآن.
أما السمة الأشد أثرًا في القضية فهي سمة بنيوية. فالإدانات تستند إلى جرائم راسخة في القانون السوري، سُنّت قبل عام 2011 بزمن طويل، وهو ما يتفق مع موقف نائب وزير العدل، الذي صرّح علنًا في 18 آب/ أغسطس بأنَّ المحاكمات الجارية تُجرى بموجب القوانين النافذة حاليًا إلى حين سن قانون شامل للعدالة الانتقالية. ومع ذلك، وصفت المحكمة السلوك المثبت بأنه يشكّل، أو يسهم في، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وطبقت نظرية المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي، ووضعت الأفعال في سياق نزاع مسلح غير دولي وهجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد السكان المدنيين. ثم رتبت على هذا التكييف آثارًا قانونية، فرفضت الأخذ بالأسباب التقديرية المخففة، واستبعدت التقادم والعفو العام، ومنعت الإفراج المشروط. وهذه البنية ذات المسارين، الوطنية في أساس التجريم والدولية في التكييف والآثار التابعة، تمثل أبرز أوجه التجديد الفقهي في القضية.
وتترتب على ذلك آثار نظرية مهمة. فلم تُقم الدعوى على حسون أساسًا بوصفه مرتكبًا ماديًا، بل منحت المحكمة وزنًا قانونيًا للخطاب العام، وإضفاء الشرعية المؤسسية، والدعم المالي للواء القدس، والمدفوعات التي يُزعم أنَّه تلقاها مقابل الإفراج عن محتجزين. وتجيز الاجتهادات الدولية المقارنة قيام المسؤولية التبعية على أساس المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي، ولكن وفق شروط صارمة. فاجتهادات المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) والآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين (IRMCT) تشترط أن يكون لمثل هذا السلوك أثر جوهري في ارتكاب جريمة محددة، مقرونًا بعلم الشخص بأنَّه ييسّر ارتكابها. كما يمكن للخطاب نفسه، في الظروف المناسبة، أن يؤسس للمسؤولية الجنائية الفردية، على نحو ما أقرت به دائرة الاستئناف في قضية شِيشِيل (Šešelj)، حين أدانت المتهم بالتحريض على الترحيل والاضطهاد والنقل القسري بوصفها جرائم ضد الإنسانية. غير أنَّ التأييد السياسي لنظام ما، أو الخطاب التحريضي، أو الإشادة بجهات عسكرية، لا يفي تلقائيًا بأركان الاشتراك في جريمة دولية. ويورد الحكم الشفهي استنتاجات بشأن كل من هذه المسائل؛ إلا أنَّه، في غياب التسبيب الكامل، لا يتيح تقييمًا مستقلًا لكل عنصر من حيث طبيعة المساهمة وأثرها والركن المعنوي.
أما السؤال الأصعب فهو ما إذا كانت الآثار التابعة الناشئة عن تكييف الأفعال كجرائم دولية، ولا سيما استبعاد التقادم والعفو، تستوفي مقتضيات قابلية التوقع وعدم الرجعية. وتتطلب الإجابة عن هذا السؤال تحديد الأساس في القانون الداخلي لإدماج القواعد العرفية ذات الصلة، وتحديد القانون الواجب تطبيقه زمنيًا، وهما أمران لا يمكن استخلاصهما من النطق الشفهي بالحكم. وليس المقصود القول إنَّ منهج المحكمة غير سليم؛ بل إنَّ مدى سلامته لا يمكن، حتى الآن، تقييمه قضائيًا استنادًا إلى السجل المتاح للجمهور.
أما البعد المتعلق بالمادة 6 فلا يقل أهمية، وتظل صلته قائمة رغم عدم صدور حكم بالإعدام. فالتعليق العام رقم 36 للجنة المعنية بحقوق الإنسان يفسر عبارة “أشد الجرائم خطورة” الواردة في المادة 6(2) تفسيرًا ضيقًا، بحيث تقتصر على الجرائم ذات الخطورة القصوى التي تنطوي على القتل العمد، ويقرر صراحة أن درجة محدودة من المشاركة أو الاشتراك لا يمكن أن تبرر عقوبة الإعدام.
ومن ثم، لا يجوز قراءة حكم حسون باعتباره مؤشرًا إلى تحول سوري أوسع في شأن عقوبة الإعدام. فبعد ثلاثة أيام من صدوره، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة نفسها حكمًا بالإعدام على عبد الناصر براقي، كما سُجلت خلال آب/ أغسطس أحكام أخرى بالإعدام بحق وسيم الأسد وعاطف نجيب. كذلك حث المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، في مراسلته المؤرخة في 6 تموز/ يوليو 2026، على حذف عقوبة الإعدام من مشروع قانون العدالة الانتقالية. وتظل المسألة النظامية المتعلقة بعقوبة الإعدام من دون حسم. وما تثبته نتيجة قضية حسون هو فقط أنَّ هذه المسألة لم تتبلور، في قضيته الابتدائية تحديدًا، في صورة حكم بالإعدام، ولا تثبت أكثر من ذلك.
وفي هذا المعنى، لا يمثّل الانتقال من طلب الإعدام إلى السجن المؤبد الخلاصة الأساسية للقضية. فالخلاصة الأهم هي أنَّ القضاء السوري بدأ فعليًا في بلورة علاقة عملية بين القانون الوطني والقانون الجنائي الدولي، قبل أن تستقر قواعد هذه العلاقة تشريعيًا أو قضائيًا. وسيُقاس نجاح هذا المسار بقدرته على ترجمة مطالب المساءلة عن الجرائم الجسيمة إلى أحكام تستند إلى تجريم سابق، وتحدد المسؤولية الفردية على نحو دقيق، وتقوم على أدلة قابلة للاختبار، وتستند إلى تسبيب يمكن مراجعته أمام محكمة أعلى. فالمساءلة في المراحل الانتقالية تستمد مشروعيتها من قدرة القانون على إثبات المسؤولية من دون أن يتخلى، في سبيل ذلك، عن الضمانات التي تميز العدالة من الانتقام.






