شاركت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ممثلة بالمدير التنفيذي فضل عبد الغني، في ندوة بعنوان مسار العدالة الانتقالية في سوريا: الواقع والتحديات، التي عُقدت عبر الإنترنت يوم 1 أيلول/ سبتمبر 2026 بتنظيم تيار العروبيين السوريين.
قدم خلالها الأستاذ فضل عبد الغني مداخلة رئيسة أعقبتها جلسة أسئلة ومناقشة، وتوزَّعت الندوة على ثلاثة محاور: واقع العدالة الانتقالية في سوريا اليوم، والعقبات التي تواجهها، ودور المجتمع المدني والنُّخب السياسية.
وأشار عبد الغني إلى أنَّ السؤال المطروح لم يعد ما إذا كانت العدالة الانتقالية قد بدأت في سوريا، فهي قد بدأت فعلًا، بل ما إذا كانت الإجراءات المتَّخذة حاليًا تنضج لتُصبح منظومةً متكاملةً قادرةً على تحقيق كشف الحقيقة والمساءلة والتعويضات وضمانات عدم التكرار في ظلِّ سيادة القانون. وحذَّر من خطأين متعاكسين: اعتبار المسار رمزيًا محضًا من جهة، والتعامل مع إنشاء الهيئات وبدء المحاكمات كدليل على أنَّ العدالة الانتقالية قد تحقَّقت من جهة أخرى. وبيَّن أنَّ سوريا لا تزال في مرحلة مبكِّرة من التنفيذ، فقد انتقل المسار من الالتزام السياسي إلى الإقرار الدستوري ثمَّ إلى بناء المؤسسات والعمل القضائي، لكنَّه لم يتحوَّل بعد إلى منظومة وطنية شاملة ذات إطار قانوني مستقرٍّ قادرة على إنتاج نتائج ملموسة في جميع مجالات العدالة الانتقالية الرئيسة.
واستعرض الأستاذ عبد الغني ما تحقَّق حتى الآن، ومنه: تناول العدالة الانتقالية صراحةً في الإعلان الدستوري، وإنشاء هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية وللمفقودين، واستحداث دوائر متخصِّصة وتعيين أعضائها، وإعداد مشروع قانون للعدالة الانتقالية لم يدخل حيِّز النفاذ بعد، ووصول إجراءات جزائية وطنية إلى مرحلة إصدار الأحكام، وعمل الآليات الأممية من داخل سوريا، وتحرُّك ملف المفقودين، وتشكيل لجان برلمانية جديدة معنيَّة بالعدالة الانتقالية وبحقوق الإنسان.
وأشار إلى بعض الأمور التي لا تزال عالقة مثل من تشمله العدالة الانتقالية وما إذا كان جميع الضحايا مشمولين، وبكيفية التعامل مع نطاق الانتهاكات، وبإمكانية محاكمة الجرائم الدولية أمام المحاكم الوطنية بما يحترم مبدأ الشرعية، وبمدى ما تنطوي عليه المحاكمات الجارية من شفافية ودقَّة إجرائية، وبكيفية تبادل المعلومات بين مؤسسات المفقودين وجهات التحقيق الجزائي ومنظمات التوثيق دون المساس بالموافقة والسرِّية وسلامة الأدلَّة، وبغياب برنامج وطني للتعويضات وغياب الإصلاحات المؤسسية التي يجب أن ترافق المحاكمات.
وشدَّد عبد الغني على أنَّ العدالة الانتقالية لا تُختصَر بالملاحقة الجزائية، فالمحاكم هي أقوى أدوات المساءلة، لكنَّها لا تستطيع وحدها الكشف عن مصير مئات آلاف المفقودين، ولا تصميم برنامج وطني للتعويضات، ولا إصلاح المؤسسات الأمنية، ولا حفظ الأرشيفات، ولا بناء ضمانات عدم التكرار. كما أنَّ المسؤولية الجزائية الفردية تختلف عن مسؤولية الدولة والتزاماتها، وبما أنَّ المحاكمات تصل إلى المواقع الرسمية التي تولَّاها المتَّهمون، وهو ما يستدعي إثبات السياق الأوسع لجرائم الحرب والجرائم ضدَّ الإنسانية، فإنَّ التزامات الدولة تنتقل إلى الحكومة الخَلَف وفقًا للقانون الدولي، وبالتالي فإنَّ واجب الملاحقة والكشف عن مصير المفقودين ومعالجة ملف الأسلحة الكيميائية يقع على السلطات الحالية، حتى وإن كانت الانتهاكات قد ارتُكبت في ظلِّ نظام الأسد.
وأضاف أنَّ المحاكمات بدأت سريعًا قبل أن تكون المؤسسات السورية جاهزة، وهذا ما أدَّى إلى وقوع أخطاء إجرائية، إذ إنَّ محاكمات بهذا التعقيد تسبقها عادةً أربعة إلى ستَّة أشهر من التشاور على الإطار القانوني للمحكمة. والنقد مرحَّب به، لكن ينبغي أن يُصاغ بما يُحصِّن المحاكمات لا بما يُسقِطها، لأنَّ فشلها سيكون كارثيًا. وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، فقد رأى عبد الغني أنَّه من الأفضل الإبقاء عليها مع تضييق نطاقها، بحيث تقتصر على كبار مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضدَّ الإنسانية وخلال مدَّة محدَّدة، لا على المجرمين العاديين.
وفي ختام مداخلته أوضح عبد الغني أنَّ المراحل الانتقالية هي من أصعب موضوعات العلوم السياسية، لأنَّها تقع بين النزاع والاستقرار، وهذا ما يجعلها كثيرة الالتباس. وأكد على مركزية دور المجتمع المدني، لأنَّ السلطات التي تصل عبر انتصار عسكري بعد نزاع مسلَّح تحمل عجزًا في الشرعية لا بدَّ من ترميمه عبر المؤسسات المدنية. وبما أنَّ جزءًا كبيرًا من المجتمع المدني هو الذي حفظ الأدلَّة في المرحلة السابقة، فينبغي أن يكون حاضرًا اليوم في مفاصل الانتقال السياسي: الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، ولجان الخبراء، ولجان التحقيق، وتصميم المجلس التشريعي، إلى جانب المساهمة في البحث والرصد والتقييم. وفي هذا الإطار، شاركت الشبكة بياناتها مع المحاكم، وتقدِّم المشورة لمؤسسات الدولة في مجال الإصلاح المؤسسي، ونشرت رؤى للانتقال السياسي وللعدالة الانتقالية ولتصميم المجلس التشريعي.
لمشاهدة الندوة كاملة ،يرجى الدخول للرابط التالي:






