أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن إقرار مجلس الشعب مشروع القانون المتضمن إلغاء محكمة قضايا الإرهاب يمثل استحقاقاً دستورياً وحقوقياً ضرورياً، مشيراً إلى أن أهمية الخطوة ترتبط بمدى قدرتها على معالجة الآثار التي خلفتها المحكمة خلال سنوات عملها.
ووصف عبد الغني إلغاء المحكمة بأنه خطوة مهمة في تفكيك إحدى أبرز أدوات القمع القضائي التي استخدمها (نظام الأسد البائد)، معتبراً أن إنهاء وجودها القانوني يشكل بداية لمعالجة مؤسسية وقانونية للأحكام والقيود والانتهاكات التي ترتبت على عملها.
أكثر من 90 ألف قضية
وأوضح عبد الغني أن أحدث تقرير تخصصي أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان حول المحكمة في تشرين الأول 2020، أظهر أن ما لا يقل عن 10 آلاف و767 شخصاً كانوا لا يزالون خاضعين لها آنذاك، فيما قُدّر عدد القضايا التي نظرت فيها بنحو 90 ألفاً و560 قضية، ووثقت الشبكة 3 آلاف و970 حالة حجز على الممتلكات حتى تاريخ التقرير.
شدد على أن هذه الأرقام تمثل بيانات تاريخية مرتبطة بفترة التوثيق، ولا تشكل إحصاءً نهائياً أو محدثاً حتى عام 2026.
وبيّن أن القرارات التي طالت ممتلكات قرابة 320 ألف مواطن ترتبط، وفق توثيق الشبكة، بمنظومة أوسع من السلب القانوني والأمني خلال عهد (نظام الأسد البائد)، ولا يجوز نسبتها جميعاً إلى محكمة قضايا الإرهاب أو إضافتها إلى الأرقام الخاصة بالمحكمة.
الاختبار في إزالة المفاعيل
وأكد عبد الغني أن الاختبار الفعلي لإلغاء المحكمة يتمثل في انعكاس القرار على حياة المتضررين، متسائلاً عما إذا كانت الإدانات ستُشطب من السجلات العدلية، ومذكرات البحث والقبض وقرارات منع السفر والقيود الأمنية ستُلغى، والممتلكات ستُعاد إلى أصحابها أو سيجري تعويضهم عنها بصورة عادلة.
وتساءل كذلك عن الآليات التي ستتاح للورثة واللاجئين والنازحين وذوي المختفين قسراً للوصول إلى حقوقهم، مشدداً على ضرورة أن تكون الإجراءات واضحة وميسرة ولا تقتصر على الإلغاء التشريعي للمحكمة.
ودعا إلى إبطال جميع الآثار الجزائية والإدارية والمالية والعقارية المترتبة على الأحكام الجائرة، وعدم الاكتفاء بوقف تنفيذ العقوبات، معتبراً أن إزالة المفاعيل القانونية ينبغي أن تشمل مختلف القيود التي نشأت استناداً إلى أحكام المحكمة.
حفظ أرشيف المحكمة
وشدد عبد الغني لـ«العروبة» على ضرورة حفظ أرشيف محكمة قضايا الإرهاب وتأمينه وفهرسته، لما قد يتضمنه من أدلة يمكن الاستفادة منها في كشف الحقيقة والتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالتعذيب والاختفاء القسري والابتزاز والمصادرة المنظمة، وفق ما وثقته الشبكة.
وأوضح أن القضايا التي تتضمن ادعاءات بارتكاب جرائم فعلية بحق المدنيين يمكن إعادة التحقيق فيها أمام القضاء العادي، شريطة الاعتماد على أدلة مستقلة ومشروعة، وعدم الاستناد إلى الضبوط الأمنية أو الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب.
وأكد أن مساءلة القضاة والمدعين والموظفين الأمنيين ينبغي، من وجهة نظره، أن تقوم على المسؤولية الفردية والأدلة المرتبطة بسلوك كل شخص ومدى علمه وقصده، وليس على مجرد الانتساب الوظيفي.
قرار بالإجماع ورد للممتلكات
وأقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء 16 أيلول، بالإجماع مشروع قانون إلغاء محكمة قضايا الإرهاب وإبطال مفاعيلها، فيما ينص المشروع على تشكيل لجان قضائية مختصة من مجلس القضاء الأعلى تتولى معالجة مفاعيل الأحكام، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة، وحفظ الدعاوى القائمة أمام المحكمة أو إحالتها إلى المرجع القضائي المختص بحسب كل حالة.
ووصف عبد الغني القرار بأنه «تاريخي»، مؤكداً أن «القيمة الفعلية لهذا القرار تقاس بمدى إزالة آثار أحكام المحكمة من حياة الضحايا ورد الحقوق المسلوبة منهم».
وتأسست محكمة قضايا الإرهاب عام 2012 بموجب القانون رقم /22/، وربطت تقارير حقوقية عملها خلال عهد (نظام الأسد البائد) بملاحقة ناشطين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب أحكام وإجراءات طالت الأموال والممتلكات.
وختم عبد الغني بالتأكيد أن إلغاء المحكمة يمثل بداية لمعالجة إرثها وليس نهاية الملف، مشدداً على أن القيمة العملية للقرار ستتحدد بمدى إزالة مفاعيل الأحكام من السجلات والقيود، ورد الممتلكات أو التعويض عنها، وإتاحة سبل واضحة للمتضررين وذويهم لاستعادة حقوقهم.






