فضل عبد الغني
في 16 أيلول 2026، وافق مجلس الشعب على إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012، الذي أُنشئت بموجبه محكمة قضايا الإرهاب، إلى جانب إبطال الآثار القانونية المترتبة على أحكامها. ووفقاً للمعلومات المتاحة بشأن مشروع القانون، يتولى مجلس القضاء الأعلى معالجة تلك الآثار، بما يشمل الأحكام السابقة، والدعاوى المنظورة أمام المحكمة، والأموال المصادرة. ويحدد التصويت مصير المؤسسة، لكنَّه لا يحسم، في حد ذاته، مصير ما خلّفته من آثار.
وسيحدد نص القانون، عند نشره في الجريدة الرسمية، إجراءات الإصدار والنشر ودخول القانون حيز النفاذ، وبعد ذلك، سيتوقف التنفيذ على صدور تعليمات تحدد كيفية إبطال الأحكام، وتصحيح السجلات، وإعادة الممتلكات، والتصرف في الملفات العالقة.
وتستند الحجة الداعية إلى إزالة الآثار القانونية لأحكام المحكمة بصورة جماعية، بدلاً من إلزام كل شخص بالتقاضي على نحو فردي، إلى طبيعة المؤسسة ذاتها. فالاختصاص القضائي الاستثنائي في سوريا لم يبدأ عام 2012، إذ كانت محكمة أمن الدولة العليا، المنشأة بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968، تعمل خارج إطار القضاء العادي إلى أن أُلغيت بموجب المرسوم التشريعي رقم 53 لعام 2011.
ثم أُنشئت، بعد أقل من عام، محكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم 22 لعام 2012، عقب صدور قانون مكافحة الإرهاب رقم 19. وقد تغير الاسم، فيما استمرت الوظيفة السياسية والأمنية. وأبقت المادة 7 من القانون رقم 22 على حق الدفاع من حيث الشكل، لكنَّها نصت على أنَّ المحكمة غير ملزمة بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة في أي مرحلة من مراحل الملاحقة والمحاكمة.
ولا يتوفّر سوى تقدير إجمالي لحجم الآثار التي يتعيّن التراجع عنها. فقد سجل تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تشرين الأول 2020 أنَّ ما لا يقل عن 10,767 شخصاً كانوا لا يزالون خاضعين لإجراءات أمام المحكمة، وقدرت عدد القضايا التي نظرتها منذ إنشائها بنحو 90,560 قضية، ووثقت 3,970 حالة حجز على الممتلكات. هذا فضلاً عن عشرات آلاف حالات مصادرة الأصول والأموال، وقرارات الحجز الاحتياطي.
وينهي الإلغاء اختصاص المحكمة اعتباراً من تاريخ دخول القانون الملغي حيز النفاذ. أما إزالة الآثار التي سبق أن ترتبت، فتستند إلى الحكم الإضافي الذي اعتمده المشرّع، وإلى المادة 48 من الإعلان الدستوري، التي تقتضي إلغاء القوانين الاستثنائية المخالفة لحقوق الإنسان، وإبطال آثار الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب، بما في ذلك إعادة الممتلكات المصادرة، وإلغاء التدابير الأمنية الاستثنائية التي تمس سجلات الأحوال المدنية وسجلات الملكية.
ولذلك، يجب أن تشمل إزالة الآثار القانونية محو الإدانة ذاتها من السجل الجنائي، إلى جانب العقوبات، ومذكرات التوقيف والتفتيش، وحظر السفر والقيود الأمنية، والآثار الوظيفية والمدنية، والمصادرة الناشئة عن الحكم، وفقدان استحقاقات المعاش التقاعدي المترتب عليه.
أما القضايا العالقة، فينبغي إخضاعها لعملية فرز لا إلى إحالة آلية. فإذا كان السلوك المنسوب إلى الشخص لا يشكل جريمة معاقباً عليها قانوناً في الأصل، كما في حالات التعبير والاحتجاج السلميين، أو العمل الصحفي، أو الحقوقي، أو الإنساني، أو الطبي، أو الاتهامات القائمة على صلة القرابة أو الانتماء المفترض، فينبغي إنهاء الإجراءات وإزالة آثارها.
أما القضايا التي تتضمن ادعاءات بالقتل أو التفجير أو الاعتداء على المدنيين، والغالبية العظمى إن لم نقل جميع هذه الادعاءات كانت ملفقة، فيظل التحقيق أمام القضاء العادي متاحاً، شريطة أن يستند التحقيق إلى أدلة مستقلة جرى الحصول عليها بصورة مشروعة. ولا يجوز نقل الملف الأمني كما هو، مع اعتبار الأقوال التي انتزعتها الأجهزة الأمنية دليلاً.
وينطبق الانضباط القانوني ذاته على أخطر النتائج التي أفضت إليها المحكمة. فلا ينبغي توصيف حكم بالإعدام بأنَّه قتل خارج نطاق القضاء من دون التحقق مما إذا كان الحكم قد نُفذ، ومن دون فحص وقائع القضية؛ ولمّا كانت إجراءات هذه المحكمة قد شابتها بصورة منهجية انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، فإنَّ تنفيذ أي حكم بالإعدام صادر عنها يرقى إلى حرمان تعسفي من الحق في الحياة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ( أي أن أحكام المحكمة كانت حرمان من حق الحياة وليس قتلاً خارج نطاق القضاء).






